التبريس.
يسعى كتاب “داعش: عودة الجهاديين” للصحافي باتريك كوكبيرن إلى وضع تصور عام عن حالة مضطربة لا يمكن الإحاطة بها، لأنها في حالة سيلان وتحوّل، ما يجعل إطلاق أحكام نهائية بشأنها أمراً غير ممكن.
ويرى كوكبيرن، الذي عمل مراسلاً في الشرق الأوسط لصحيفة “الإندبندنت”، وقبلها في “الفايننشال تايمز”، وله كتاب بعنوان “الفتى المكسور” أن الجهاديين أحرزوا “انتصارات مذهلة” متسائلاً في كتابه الصادر عام 2015 عن دار الساقي :”ما الذي جعل الأمور تسوء إلى هذا الحد”؟
ويقرّ المؤلف بأن “داعش تتقن التلاعب بالخوف والتخطيط لنشره”، مذكّراً باستراتيجية التنظيم الذي يعتمد “التحرك كالأفعى بين الصخور”، ما يعني محاولة تجنّب الانجرار إلى معارك طويلة، إذ يعتمد استخدام جيشه “كقوات صاعقة للتخلص من الأهداف السهلة“.
وبعد أن تفكك العراق، فإن الأمر الوحيد الذي تتبادله مكوناته الكبرى الثلاثة، الشيعة والسنة والكرد، فيما بينها هو إطلاق النار، على ما يقوله كوكبيرن الذي يعترف بأن الأوان قد فات لإيجاد حكومة عراقية أكثر شمولية، تجعل الأوضاع تتغير. فالمنتصر الأساسي في الحرب الجديدة في العراق هو “داعش” الذي يريد “قتل الشيعة بدلاً من إجراء أي حوار معهم”، لهذا يتنبأ المؤلف بأن “يواجه العراق حرباً أهلية من المحتمل أن تكون أكثر دموية من أي شيء شهدناه في سوريا، ومن الممكن أن تستمر سنوات“.
وعلى الرغم من أن الكتاب يقدم معلومات حديثة عن وقائع سبقت نشره بقليل، إلا أن ما يورده كوكبيرن لا يبدو صادماً للمتابعين والمراقبين المتورطين في رصد تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، ما يضفي على الكتاب طابعاً صحافياً توثيقياً يصلح لمخاطبة القارئ الغربي، أو القارئ العادي غير المتخصص.
وهو فضلاً عن ذلك، يرتكب بعض الأخطاء المفهومية، حين يخلق تماهياً بين تنظيمات، مثل “داعش” و”النصرة” و”القاعدة” على ما بينهم من اختلافات وخلافات ونزاعات، وصلت حد الاقتتال والانفصال والتمرد والاتهام بالكفر والخيانة والخروج عن الشريعة، وفق ما أفتى به مشايخ كل جماعة ضد الأخرى.
والكتاب يحمّل السعودية قسطاً وافراً من موجات “الإرهاب الديني”، نظراً إلى دعمها خطباء مساجد في بلدان أخرى، حيث يعتقد أن أيديولوجية القاعدة وداعش ترتكز “على الكثير من مبادئ الوهابية” التي تمثل “الصيغة الأصولية للإسلام التي تفرض الشريعة، وتعود إلى القرن الثامن عشر، حيث تصنّف النساء كمواطنين من الدرجة الثانية، وتنظر إلى المسلمين الشيعة والصوفيين إلى جانب المسيحيين واليهود بوصفهم هراطقة وزنادقة يجب اضطهادهم”، وهو يشبّه “هذا التعصّب الديني والاستبداد السياسي” بـ”الفاشية الأوروبية في الثلاثينيات إلى حد كبير من حيث استعداده لاستخدام العنف“.
ويصر الكاتب على التأكيد بأن “انبعاث جماعات على طراز القاعدة ليس تهديداً محصوراً بسوريا والعراق وجيرانهما القريبين منهما، فما يحصل في هذه البلدان، بالإضافة إلى الهيمنة المتزايدة للعقيدة الوهابية المتعصّبة على وجه الخصوص داخل المجتمع السني العالي، يعني أن 1,6 مليار مسلم؛ أي ربع سكان الأرض تقريباً، سيتأثرون بشكل متزايد“.
كما يبدو من غير المحتمل ألا تتأثر الشعوب غير المسلمة، بما فيها شعوب عديدة في الغرب، “إن عودة الجهاد اليوم، الذي غيّر الحقل السياسي في العراق وسوريا، لها منذ الآن نتائج وتأثيرات بعيدة المدى على السياسة العالمية مع نتائج وتأثيرات مخيفة ورهيبة علينا جميعاً“.
ولا ينهمك الكاتب في وضع تصورات وحلول لمعضلة “داعش” وعودة الجهاديين، فهذا خارج نطاق عمله الرصدي التوثيقي الصحافي، وهو في ذلك يقارب كيف توسعت داعش اعتماداً على عاملين: التمرد السني في سوريا والتغييب السني في العراق، حيث مكّن “العداء السني العام تجاه المالكي كمناصر للطائفية داعشَ من ربح سبع أو ثماني جماعات سنية محاربة كانت تحاربها في السابق كحلفاء لها“.
وفي سياق جهده الاستقصائي، يرسم باتريك كوكبيرن صورة لزعيم “داعش” أبو بكر البغدادي الذي “يُحتمل أنه خلال عهد صدام كان داعية إسلامياً مناضلاً في مقاطعة ديالى…حيث أصبحت لديه جماعته المسلحة الخاصة بعد الغزو الأميركي سنة 2003…ويبدو أن البغدادي أمضى فترة خمس سنوات، بين 2005 و 2009 أسيراً لدى الأميركيين“.
ويروي المؤلف الجانب السري الذي ما انفك يتوخاه البغدادي الذي كان يرتدي قناعاً، حيث لا يكاد يتبيّن ملامحَه الأسرى الآخرون.
ونظراً إلى خلفية المعارضة المفككة والمجزّأة، فقد انتقل البغدادي، وفق باتريك كوكبيرن، بسرعة “ليثبت نفسه كقائد فعّال، بالرغم من أنه موارب ومضلّل. لقد ساعدت الانتفاضة السنيّة في سوريا سنة 2011 على بروز داعش السريع منذ تسلّم البغدادي القيادة، مما شجع الستة ملايين سنّي على اتخاذ موقف ضد التهميش السياسي والاقتصادي الذي تعرضوا إليه منذ سقوط صدام حسين“.
متابعات






























