التبريس.
مازالت ذاكرتي تختزن عدة مشاهد وأحداث، عشتها في مدرسة ” السواني” الابتدائية التابعة لمجموعة مدارس سيدي بوعفيف التي كان يديرها المرحوم عبد السلام بوغلالة.
انتقلت إلى هذه المدرسة صيف 1979، بعد موسم دراسي قضيته بمدرسة أغليظ، وأخبرني بذلك أحمد الزفزافي « مولاي أحمد» في جلسة سمر قرب مسجد محمد الخامس. كان المرحوم محمد اليوسفي الذي كنا نناديه «قدا»، واحدا من أولئك المعلمين المؤقتين الذين عينوا بهذه المدرسة. وكان المرحوم معلما مثابرا، يحب عمله، ويتفانى فيه. كان يغضب داخل حجرة الدرس، ولم أره متكاسلا، بل كان همه أن يخرج جميع تلاميذ المتوسط الثاني آنذاك بمدرسة السواني ( 1979 ـ 1980 ) من القسم، ومحتوى درس الحساب راسخ في أذهانهم. لم تكن توفر هذه المدرسة لرجال التعليم سوى حجرات متهالكة ومنازل مخصصة للسكن، عبارة عن سجون مع وقف التنفيذ، وكان المعلمون يضطرون إلى قضاء حاجاتهم في مرحاض منزل السي البرطالي أوالسي الجلطي أوفي الهواء الطلق أحيانا. كان المرحوم اليوسفي يحمل محفظته ويتوجه مشيا على الأقدام كيفما كانت الظروف المناخية، قاطعا مسافة تمتد من سيدي بوعفيف إلى السواني لا تقل عن عشرة كيلومترات ذهابا وإيابا، قبل أن يخلصنا الأستاذ ميلود الوفراسي بسيارته «رونو12» من متاعب الطريق. كان المرحوم اليوسفي ينتظرنا بدار السلوم، نحن الثلاثة الفائزي حسن وميلود الوفراسي، فنحمله معنا بعد أن نكون تناولنا قطع «الشورو» بمقهى إيدير.
جعل المرحوم اليوسفي من المدرسة في الريف حياة، والقسم منهاج تعليم، لا مرض ولا تهاون، لا تخاذل لا كسل، لامحاباة ولامجاملات في الدرس، ولو كان ذلك على حساب صحته. كان يؤدب التلاميذ بعصاه، وكان يضطر لأخذ قسط من الراحة في سكن وظيفي يقطنه المعلم البرطالي، أوداخل مطعم المدرسة حيث كان يلقن الزميل المسناوي تلاميذ التحضيري نشيد « دب الحلزون فوق حجارة «، والذي كان يشكو تبول بعضهم في سراويلهم، كل هذا في انتظار الواحدة ظهرا للعودة مجددا إلى القسم.
كان اليوسفي متخصصا في طهو البطاطس والدجاج الرومي، في الوقت الذي كان زميلنا المسناوي يطهو الطعام باستعمال الزبدة بدل الزيت، مؤكدا أن هذه الطريقة إسبانية. مع نهاية كل شهر حين نتوصل بأجرتنا (1000 درهم) كان اليوسفي يستغل سوق إمزورن الأسبوعي، فيقتني خضرا ولحما ويتكلف المسناوي بطهو ذلك، لتناول الغذاء قبل الواحدة. لم يحل ولو مرة واحدة في السنة، الوحل الذي كان يغطي الطريق المؤدية إلى مدرسة «السواني» في فصل الشتاء، دون وصولنا إلى الأخيرة. ذات مرة ركبت مع الأستاذ الشعيري على دراجته، فسقطنا معا على حافة الطريق.
جمال الفكيكي






























