شكلت ملاعب الأحياء بمدينة الحسيمة منذ الستينات من القرن الماضي، فضاءات للتباري وتفجير المواهب والطاقات. وفرخت هذه الملاعب عناصر صنعت أمجاد العديد من الأندية بالحسيمة، وتخرج منها مجموعة من اللاعبين المتميزين الذي عززوا الفرق المحلية كالمغرب الحسيمي وشباب الريف الحسيمي والصحة العمومية والقطب الرياضي. وكانت مدينة الحسيمة تزخر بالعديد من هذا النوع من الملاعب التي شكلت قبلة لعشاق كرة القدم من مختلف الأعمار والفئات، والذين كانوا يتابعون بلهفة وشغف كبيرين المباريات الساخنة التي كانت تجري في هذه الملاعب الترابية، خاصة بين حي ” السوق القديم ” و”باريوأوبريرو “، حيث برز مئات اللاعبين. ومع أواسط السبعينات، بدأت هذه الملاعب التي كانت في السابق مدارس كروية يتلقى فيها الموعوبون المبادئ الأولية للعبة، تفقد بريقها وتوهجها بعدما زحف البناء والعمران، محولا إياها إلى بنايات. ولايمكن الحديث عن تاريخ ملاعب الأحياء بمدينة الحسيمة، دون استحضار ذلك الكم الهائل من الفضاءات الرياضية التي لن تقو على مقاومة زحف الإسمنت، قبل أن يتم طمس معالمها وتصبح بين عشية وضحاها في خبر كان، ويتعلق الأمر بملاعب ” المصلى ” و” الصفصاف ” و” ميراضور ” و” القشلة ” و” المعهد الديني ” و” الأب جيكو ” التابع لثانوية أبي يعقوب البادسي، والذي بدأ التباري فيه أواخر السبعينيات. كانت هذه الملاعب دائما في قلب الأحداث ومفخرة للأحياء القريبة منها، من خلال احتضانها لتظاهرات رياضية ومباريات قوية تمتد لساعات على مدار السنة، إذ كانت تتوافد عليها أعداد هائلة من المتتبعين والمتفرجين. كما كانت متنفسا ومنقذا لشباب هذه الأحياء الشعبية من براثن الضياع والتيه. وكانت تبدو الحركة داخل هذه الملاعب كخلية نحل.
كانت ملاعب الأحياء في الماضي تعد المدرسة الأولى للطفل الذي كان يجد فضاءات شاسعة، يكتشف من خلالها مواهبه، بل كانت خير مزود لفرق الحسيمة. وكانت الأحياء بالمدينة تزخر بمواهب كان يلزمها العناية والاهتمام، وكانت تعج بلاعبين ذوي مستوى كبير، وكانوا جميعهم يستحقون حمل قميص الفرق المحلية عن جدارة واستحقاق. وكانت أجواء المنافسة الشريفة في ملاعب ” المصلى ” و” المعهد الديني ” و” القشلة ” و” الأب جيكو ” تتجاوز الأجواء بالملعب البلدي. ويتذكر العديد من المهتمين بشؤون كرة القدم بالحسيمة ملاعب ” الصفصاف ” حيث حي المنزه حاليا، التي كانت تحضن أكبر عدد من المباريات، بداية من التاسعة صباحا إلى أن يرخي الليل سدوله، خاصة أيام الجمعة والسبت والأحد، في جو مرح وتنافسي كبير، يجلب له العديد من الجماهير.
وارتبطت العديد من أسماء اللاعبين الذين ضمهم فريق الصحة العمومية والمغرب الحسيمي وبعدهما شباب الريف الحسيمي والرجاء والنادي، بأحياء الأحباس وباريو حدو وباريوأوبريرو وكوزينا والسوق القديم والمنزه وموروبييخو وحي مالقا وترونكوث، حيث كانت فضاءات هذه الأحياء قبلة لفرقها، إذ كان الأطفال والشباب يظهرون مواهبهم في كرة القدم، ويتم اكتشافهم من قبل بعض المؤطرين الذين يوجهونهم للعب مع مختلف الأندية والفرق المحلية.
كان لاندثار وانقراض هذه الملاعب، تداعيات وانعكاسات كبيرة على فريق شباب الريف الحسيمي لكرة القدم، الذي لم يعد يشكل اللاعبون المحليون، سوى نسبة ضئيلة ضمن تركيبته البشرية، خاصة بعد صعوده للقسم الوطني الأول سنة 2010. وأصبح من اللازم التفكير في إحياء ملاعب الأحياء، وتشجيع دورياتها، باعتبارها مزرعة تعطي أولى الثمار، إذ أنه بدون فرق وملاعب الأحياء، لايمكن الحديث عن إقلاع كرة القدم، لأنه من هذه الأحياء يمكن للإنسان أن يسكن حب الكرة في قلوب الأسرة أوالعائلة.
جمال الفكيكي






























