إلى أين تتجه الأحداث في الريف الورطة أم الكارثة !؟

تقديم    :

لفت انتباهي إلى محاولة البعض إعادة نشر مقالة لي تعود لسنة 2012، لا أدري ما إذا كان الأمر يتعلق بحسن نية ومصادفة أم أشياء أخرى، ودرءا لأي لبس قد يكون أصاب هؤلاء بين الأمس واليوم ، فإنني أعيد نشره كاملا بدون أي إضافة، وأنا في كامل ارتياحي النفسي من كون المقال استشرف المرحلة بأكملها والأحداث التي نعيشها اليوم، والأهم فيه هو أنه تمكن من استقراءها بروح نقدية، فأن تكتب فهذا أمر متاح للجميع، لكن ليس من يكتب فهو كاتب، لأن السياسي الحقيقي هو من يقدر على تحليل الأحداث، والتحليل هو فهم وتفسير وتركيب للوصول إلى المعنى وكل من لم يتوفق في هذه الأبعاد الثلاثة فإن ما يكتب يتحول إلى معرّة الزمن ولا يعدو أن يكون ديماغوجية ظرفية ولعله إحدى أكبر نكبات السياسي في الزمن الراهن الذي أصبح ضحية موجات الثورات المعلوماتية الهائلة التي نقلت الواقع الفعلي إلى عالم افتراضي رغم الأهمية الحاسمة لهذه الآلية في التعبئة وإيصال الفكرة إلى أكبر عدد من الناس، وحيث أن الحقيقة غير موجودة أصلا بشكل جاهز لكونها تصنع في معمعان الصراع والمواجهة ، ونظرا لكون الواقع قد انتشل من واقعيته فلا غرابة أن تشكل الإشاعة الممنهجة نوع من الحقيقة مادام أن الناس ملتفون حولها لكن سرعانما سينقلبون على كل من أغواهم بمكائد الانترنيت.

المقال المشار إليه كانت له علاقة بما جرى من قمع عنيف لحركة 20 فبراير بالحسيمة والنواحي، أما الآن مع حراك الريف فنحن ، شئنا أم أبينا ، أمام مشهد آخر مغاير تماما، ليس اختلافا في القيادات لكن حتى التصورات ، وكان لي شرف انتقاد توجه لهذا الحراك بشدة ليس من أجل نسف حركة مشروعة تشكل من جزء من صراعنا ضد النظام الطبقي والاستبدادي، ولكن من أجل رد الحركة إلى سكة الصراع ليساهم فيها الجميع من يعنيهم شأن التغيير على تعددهم ، غير أن بعض المنتشون في غمرة نشوة صبيانية، سارعوا للتنظير لموت الأحزاب بل وموت جيل بأكلمه من المناضلين والمناضلات ، لكن بمجرد ما بدأ المخزن يشن حملته الهوجاء عادوا إلى غمدهم بعد أن قذف بعشرات من الشباب وراء القضبان فلم نجدهم يتحدثون عن حمل مشعل الاستمرارية، لأن هؤلاء قد جربناهم يريدون التغيير لكن ينتظرون من ينجزه بالنيابة عنهم حتى يحافظوا على مصالحهم.

وبالحصيلة، فإذا كانت الدولة قد تكبدت خسائر فادحة في الشرعية السياسية فإن الحراك كبد خسائر أفدح لا تتناسب مع المطالب المرفوعة الذي يصر الجميع على تسميتها مطالب اجتماعية واقتصادية، بالنظر لعشرات من الشباب المعتقلين والعائلات المكلومة بصدمة لم تكن تتوقعها أبدا وتزداد معاناتها بأوهام إطلاق سراح المعتقلين لدرجة أن عائلات باتت تصدق الاشاعات الرائجة وتظل بدون نوم طيلة الليل تنتظر على رأس كل مناسبة أن تصلها بشرى إطلاق سراح أبناءها، إنها مأساة حقيقية يعيشها الريف وسيعيشها لفترة أطول. وهل تفلح السياسة مع صناعة المأساة؟

أبو علي

هل تغرق الدولة مرة أخرى في مستنقع الريف كما حدث لها في خمسينيات القرن الماضي؟  وكل مرة تجر معها حزب سياسي لاستعماله كواجهة للاصطدام وتحاول أن تنآى بنفسها عن الدخول في صراع مباشر مع الريف

للإفلات من المسؤولية  وتترك مساحة للمناورة في حالة فشل خياراتها القمعية لتلقي بكل التبعات على أطراف أخرى : حزب الاستقلال في أحداث الريف 58/59 ولم لا يكون الدور ، هذه المرة ،على العدالة والتنمية في سنة 2012 .. في كل الأحوال لن تنتهي الأحداث بسرعة، كما تتوهم السلطات ، ستستمر مدة أطول نظرا لحساسية المناخ السياسي السائد بالريف سيما وأن الدولة أبقت على ظلال أحداث الماضي ، بعدما فشلت في إنجاز المصالحة مع المنطقة التي تاهت أرجلها في نصف الطريق .. وعاد الصراع لينفجر من جديد ويجرف معه جراحات الماضي التي لم تندمل بعد.

ليس في نيتنا رسم صورة دراماتيكية عن الواقع السائد بالريف اليوم ، ولو كان في مقدورنا إيجاد مسوغ بسيط ومستند واقعي لإعطاء الآمال للناس لما ترددنا في ذلك بصرف النظر عن تصوراتنا السياسية ، لكنه الواقع أبلغ من أي تبرير ويفصح عن وجود استراتيجيات هدامة تستهدف الريف في هويته وإباءه، بعد أن وضعت الدولة يدها على فئات شابة كانت تريد تجديد العلاقة بالسياسة ،عبر تجربة 20 فبراير الرائدة، فلم تتردد لإحباط معنوياتها وقذفها وراء القضبان بتهم واهية، بدل أن تشجعها تلتجأ للقمع الشرس لدفعها لطلاق الشأن العام وتكريس شبح العودة الحتمية لظاهرة العزوف عن ممارسة السياسة وسط الشباب بعد أن لاح بريق أمل لتجاوز هذه الأزمة في سياق الربيع الديمقراطي الريفي كجزء من الربيع الديمقراطي المغاربي والعربي..

في المنهج:

و لتقريب صورة التحولات التي يشهدها الريف في الآونة الأخيرة ، يتوجب التحرر منهجيا من القراءات السردية  لأحداث متناثرة يصعب ، ولو تم  تجميعها في قالب منسجم ،معرفة ماذا يحدث ، ولذلك يستحسن قراءة الأحداث في كليتها كدينامية سياسية يساهم فيها الأفراد دون الوعي بالنتائج المباشرة وهي في العمق خارجة عن الإرادات الذاتية ، لذلك نرى أن الأمور تسير في مسارات متناقضة لا أحد يعرف تمام المعرفة أين تتجه الأحداث وندعي في هذه المقالة /المحاولة أننا قادرون على طرح الأسئلة التي يتوجب ويفترض طرحها لاستكناه وفهم عمق مسار التحول /التحولات الجارية بالريف اليوم .

1.         إفشال الربيع الديمقراطي الريفي ..طلاق بائن للشباب مع السياسة مرة أخرى:

كادت تجربة حركة 20 فبراير سواء على المستوى الوطني أو المحلي أن تبلور منظورا جديدا للسياسة مشبع بقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ..لكن كذلك معززا بحزم راديكالي أربك حسابات الدولة ومعها الطبقة السياسية التي عجزت على مسايرة دينامية سياسية كانت تتجه إحداث نقلة كبرى في المسار السياسي المغربي . وللحد من هذا الأفق سخرت هذه الجهات إمكانيات كبرى لسحق هذه الحركة حتى ولو تطلب العودة إلى تكرار سنوات الرصاص والتضحية بطموحات وآمال جيل صاعد لا زال يتلمس الطريق نحو رسم مستقبله .ويعتقد بعض خبراء المخزن أن القضاء على حركة 20 فبراير سيؤدي إلى عودة المشروع المخزني وتأجيل لحظة الحسم مع الاستبداد ،لا سيما بعد أن وضع على واجهة هذه الردة السياسية حزب إسلاموي يبدو من خلال رقصاته المملة أن لا برنامج له ولا استراتيجية خاصة به وكل ما يقدمه أقل مما يخوله له دستور 2011، فهو حزب جيء به لإضفاء نوع من الشرعية على العنف السياسي الموجه لحركة 20 فبراير الشبابية ومختلف القوى الراديكالية لإفراغ الساحة من المقاومة المدنية ، فهو لا يتوانى في في صبغ الأزمة بنوع من القدرية اللاهوتية كحيلة يمكن أن تنطلي على عدد كبير من الذين يثقون ، عن نقص دراية ، بتسويفات الخطاب الأصولي الذي يبدو كلص سارق في جنح الظلام لثورات وصيحات الشعوب التواقة للحرية والديمقراطية ..

وبالمقابل فإن العنف السياسي الدولتي لم يكن يوما ما دواء لعلاج الأزمات الاجتماعية والسياسية ، وهل حقا لم يكن أمام الدولة من خيار آخر ،غير العنف ، لعلاج المشاكل المستفحلة بالريف وخصوصا ببني بوعياش ؟ وهل وصلت الأمور إلى هذه الدرجة من الاستعصاء حتى يتم اعتقال ثلة من الشباب لم يطلبوا سوى حقوق مشروعة ؟ إنها كذبة لا يمكن تصديقها بالمطلق بل الحقيقة أن ما وراء الأكمة ما وراءها !  إن العنف والقمع قد ينشر الرعب وسط الشباب وقد يبعدهم لسنوات عن ممارسة السياسة التي ترادف في الدول المستبدة السجون والمنافي والاختطافات ..وبذلك فإن هذه السياسة لها نتائج كارثية لعل أبرزها دفع الشباب للتطرف والنزوع نحو القوى المتطرفة والابتعاد عن ممارسة السياسة بالمفهوم المديني . إن طلاق الشباب مرة أخرى للسياسة سيؤدي لا محالة إلى تعميق ظواهر التطرف من نافل القول  على أن ضحاياه الأوائل هم ناشروه بالتأكيد.!

2.         تعثر  المصالحة الرسمية مع الريف ..بداية لصراع جديد..

هكذا فبعد المحاولات التي بذلت من قبل الدوائر الرسمية على عدة أصعدة خلال العشر سنوات الأخيرة من أجل إدماج الريف في مناخ المصالحة السياسية الرسمية وفك العزلة المفروضة عليه خلال مرحلة ما سمي بسنوات الرصاص ، التي اشترطت عليه ضمنيا ،أن يترك التاريخ وينظر إلى المستقبل كما يرسم له وليس كما يريد هو صناعته . فكان الجواب الميداني الذي صاغته الجماهير بالريف ومعها كل القوى التقدمية والحقوقية والديمقراطية إما أن » نصنع التاريخ أو نصير من التاريخ وينتهي كل شيء »!، ذلكم هو جوهر الصراع الدائر اليوم بين قوى التقدم والحداثة والتحرر من جهة وقوى الظلام والرجعية بالريف خصوصا وبعامة التراب الوطني عموما من جهة أخرى .

فشل الخيار المخزني على بلورة تسوية تاريخية لمشكلة الريف رغم استنفاره لفئة اجتماعية انتهازية عريضة تتشكل من عدة مشارب سياسية وتنحدر من مجالات مختلفة: برلمانية وجمعوية ويسارية ومن إطارات شوفينية ..انغرست في كل مناحي المجتمع للترويج الواسع لخطاب المصالحة السياسية مع الريف الذي كان يسير بالموازاة مع انطلاق حركة تنموية نشيطة همت بالدرجة الأساسية البنى التحتية ..كما واكبتها وعود قوية بتحويل الريف إلى قطب اقتصادي محوري ..لقد استغلت بعض الفئات اليائسة والمنحدرة من اليسار ومن اليمين على حد سواء هذه الدينامية الرسمية للهرولة نحو التموضع في قلب المؤسسات والهيئات السياسية التي تشكل مسار هذا التحول كان آخرها –وهي أهم  فرصة لمن لم يلتحق بعد ولن تعمر طويلا قبل أن ينهار الكل كما تنهار قصور الخيال في الهواء – ذلك الارتماء الغريب لكشكول من الأفراد بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجالس الجهوية التي تشكلت تباعا في مختلف الجهات ،فيما لم تيأس بعض أشباه الأطر الجمعوية من البحث الحثيث عن الأموال الأجنبية، وفي هذا السياق تندرج مبادرة استثمار معضلة القنب الهندي للتلويح ببعض الحلول التي لا تعدو في الواقع أن تكون محاولة للاصطياد في الماء العكر لابتزاز الفلاحين الصغار ومروجي الحشيش في عين المكان لدفع الرشاوى لهؤلاء الانتهازيين الذين يتشكلون من جمعيات حقوقية ومن بعض مراسلي الصحف الوطنية ..

معضلة الريف اليوم أن الذين يتحركون  لا يستشعرون أي خجل أو حياء وكأنهم مناضلون هم من يلوثوا سمعته ، وإذا لم يتم تخليص المنطقة من نفوذ هؤلاء الموزعين على جمعيات وشبكات ممولة من الداخل والخارج بالمال الوسخ سيظل يتخبط في نفس الإشكاليات التي عانى منها في الماضي .

فشل الخيار المخزني إذن لكونه اعتمد في مشاريعه وتصوراته على نخب سرطانية مقطوعة الصلة مع القاعدة الاجتماعية ، هذا فضلا عن كون الحكم السياسي لا يمكن أن يغير توجهاته نحو الريف مادام لم يتغير في جوهره  كنظام حكم فردي استبدادي . فلقد اعتمد على منهجية للتغيير توهم منذ رحيل الحسن الثاني وكأن رياح التغيير بدأت تهب على المغرب عموما والريف على وجه الخصوص لا سيما مع مجيء ملك الفقراء في زيارات متتالية لهذه المنطقة قبل أن تتبدى هذه الخيالات لمن دأب على الإيمان بها ليصبح ملك الفقراء أو الملك المستحوذ حسب ومن أغنى أغنياء العالم بعد أن راكم ثروته 5 مرات !

3.         نخب جديدة تحاول غسل عار الانبطاحيين..

وفي مقابل هذه النخبة أو أشباه النخبة السرطانية ، ترعرعت دائما على الهامش قوى الرفض وتعززت مع توافد أجيال جديدة من الشباب حاملي الشهادات العليا والعائدون إلى مسقط راسهم ليجدوا أنفسهم في صراع مرير مع  بطالة طويلة المدى ، ميزة هذه الأجيال الجديدة أنها متأثرة باتجاهات الفكر اليساري الراديكالي وهي حقيقة تؤرق بعض الجهات الرسمية لأنها ترى في هذه الظاهرة ما يعوض بعض الفراغات التي تركها تراجع اليسار الراديكالي في قلعته الحصينة /الريف ، ولعل هذا التراجع سمح بتقدم بعض القوى المخزنية والظلامية وإن كان ذلك سيكون ظرفيا ليس إلا .لأن أكبر ضربة تلقاها اليسار الكلاسيكي كانت في الواقع بسبب خياناته المتعددة للجماهير مما جعله يعيش اليوم في  وضع لا يحسد عليه وهو يصارع بين  الموت والحياة فيما يعيش اليسار الراديكالي والتقدمي في وضع المقاومة والصمود رغم كل أشكال التطويق والحصار وتصاعد قوى التيئيس . ولعل تشبث مناضليه ومناضلاته بالشموخ المعنوي كدليل guide داخلي كما يقول ايمانويل كانط يعطي له فرص قوية لاستعادة علاقاته بالقاعدة الاجتماعية وخصوصا الطبقة المتوسطة بعد أن تدرك سريعا بأن لا المخزن ولا الاسلاميين يمكن أن يضمن له العيش الكريم في مناخ ديمقراطي سوده الحريات .. وعموما فمشكلة اليسار بجناحيه الكلاسيكي والتقدمي تتعلق بكون قاعدته كانت دوما تتشكل من  فئات الطبقات المتوسطة المدينية ، ونظرا لما تعرضت له المدن من ترييف نتيجة توافد فئات تقليدية من البوادي مشكلة أحزمة مهولة في محيط هذه المدن ، أعطت فرصة ذهبية للقوى المخزنية والظلامية لتنعش أفكارها الهدامة وسط بؤس وتخلف وأمية لفئات اجتماعية انهكتها الظروف القاسية للبوادي المغربية ، وفي مقابل تراجع الطبقات المتوسطة المدينية أو يأسها من القوى اليسارية بعد جنوحها الانتقام والعقابي نحو عدوه الاديولوجي  : الظلام وقوى التخلف عموما .

المشروع اليساري التعددي يمتلك قابلية التحقق لكونه يرتكز على مفاهيم النسبية المستقاة من الحقل العلمي ويبحث عن سعادة وحرية الجميع كتحقق على الأرض،  ولقد مثلت حركة 20 فبراير وهيئاتها الداعمة خير مثال لهذا المستقبل المرتقب، و على خلاف المشروع المخزني والظلامي الذي ينبني على الاطلاقية والتعسف ومحاولة مصادرة حرية الإنسان  .

لقد انتظر النظام سنة لكي يهيء حزبا سياسيا أصوليا ويعقد معه زواجا حميميا للهجوم على معاقل الفكر والنضال التقدميين الذي جسدته حركة 20 فبراير ، وكان يؤرقه كثيرا واقع تمدد الربيع الديمقراطي الريفي في عمق الوعي الجماهيري تحت يافطات يسارية ذات بعد هوياتي ، ولم يكن مفاجئا أن تشن القوى المخزنية والظلامية حربا شعواء على ما تعتبره جيوبا منيعة للمقاومة رغم ما تنطوي عليه هذه الحملة القمعية الجارية من مخاطر تكبد النظام لخسائر فادحة في الشرعية السياسية ، بعد أن بدأ منسوب الكراهية  يزداد مع مرور الأيام ومؤشرات الطلاق السياسي مع ما سمي بالعهد الجديد  تظهر أكثر معالمها وعناوينها الكبرى .

4.         أحداث الريف مرة أخرى أو التاريخ يعيد نفسه 

مؤسف حقا أن يكون الريف عرضة من جديد لممارسات قمعية وسياسات عمومية محكومة بقوة الهاجس الأمني ، فرغم الانفتاح النسبي الذي دشن تجاه المنطقة قبل عشر سنوات فإن الوعود التنموية والسياسية لم تؤد إلى بروز أي قطب اقتصادي ، ولا يوجد مؤشر أن هناك قابلية لبروزه في المستقبل القريب في ظل الأوضاع القائمة ، مما جعلت المشاكل تنفجر من جديد وبطريقة قديمة كنتيجة فشل الاختيارات التي انتهجت من قبل الدولة .

الريف ما بعد 8 مارس 2012 يدخل من جديد مرحلة سوداء من حياته السياسية والاجتماعية والنفسية..حيث كل شيء مشرع على الاستعادة التاريخية لأحداث مؤلمة وكأنها تعاش حية مرة أخرى وإن بشكل آخر وفي زمن مختلف  تحت إمرة مسؤولين آخرين. كل شيء يتحرك في جو حذر مليئ بالمشاحنات قد تتطور الأمور نحو الأسوأ في حالة إصرار السلطات العمومية على تشهير خيار الاستمرار في استعمال القوة لسحق الحركات الاحتجاجية بالريف .  يحدث هذا التحول السياسي بعد مرحلة هدوء حاول فيه النظام تغيير كل شيء لكي لا يتغير شيئا من جوهر طبيعته المخزن.

لقد دخل المغرب منذ سنوات في مرحلة البطالة الطويلة الأمد وهو أكبر خوف يهدد مستقبل الناشئة ويعرض معنويات شباب متعطش للعطاء لانهيارات مهولة فهي طاقة كامنة فإما أن يتم استيعابها أم تنفجر في وجههم وتشتعل الأرض من تحت أقدامهم .

مستحيل اليوم إقناع أحد بأن البطالة بل والفقر نفسه ظاهرة فرد أو أفراد غير مؤهلين للاندماج بعد أن صارت مسالة جماهيرية  ، تلك رواية للرأسمالية المتوحشة تعرضت للدحض من قبل العلوم الإنسانية والأبحاث العملية ،فالفقراء سيظلون فقراء طالما أن الدولة لم تساعدهم على الخروج من إطار المساعدات التي تتحول إلى ما يشبه توسل واستغاثة ومد اليد ، لأن هذه السياسة، في ظل دولة متعددة الأوجه، تتحول إلى رأسمال لتمتين القاعدة الاجتماعية للنظام السياسي .

بعد حدث 20 فبراير 2011 وما تلاها من تطورات انهار معها جدار الاحتواء المخزني فانتهت معها المنن والهدايا والعطايا والمأذونيات التي

Add New Playlist