في واقعة قد يراها البعض غريبة والبعض ليست كذلك بحكم التعود على الغرائب ، اتهمت اسرة مصحة بمساومتها على فاتورة استشفاء ابنها المتوفى نظير التبرع بأعضائه ، وخرج المسؤول الطبي في تصريح متلفز لنفي الادعاء ، والى هنا الموضوع عادي ، ادعاء فنفي .. لك ان تختار فيها من تصدق.
وقد نقلت الواقعة مجموعة من المواقع الالكترونية تحت عنوان ” بعد اتهامها بالمساومة وطلب الحصول على اعضاء الشاب قبل تسليم جثته لذويه .. الرد المثير للمصحة ” ؛
لكن بعد نفي المساومة استرسل المسؤول الطبي في الحديث عن الواقعة وتحول خلال الحديث من طبيب يفسر الحالة الطبية التي احضر فيها المريض الى “مولانا” يفتي في فضائل الصدقة الجارية وعظمة اجرها لمن قام بها ، ولكي لا يجعل من تصريحه بدعة عززه بمناظرة احتفالية قامت بها وزارة الصحة سنة 2015 حضرها حسب تصريحه الحرفي ” وزراء وقضاة وبرلمانيون ورجال الدين ” من أجل التوعية والتشجيع حتى عبر خطب الجمعة من اجل التبرع بالأعضاء ليختم بأن ذلك لا يتم الا وفقا لقوانين صارمة في مستشفيات محددة وبمساطر قضائية لا مجال للشبهة فيها وان عرضه للعائلة لم يتجاوز النصح فقط ؛
هذه الواقعة التي رشحت لأسباب تتعلق بالعائلة التي أعلنت عنها في استنكار لا يمكن إلا ان تكون دالة على واقع يمارس بشكل ما في المستشفيات او المصحات لكن لا يعرف حجم الظاهرة
تمثل الواقعة سكيزوفرينيا وظيفية معتادة فالطبيب يتقمص مهنة القاضي والواعظ ، والواعظ جامع للمهن بمرجعية “الاعجاز ” اينما حلت وهكذا دواليك ..
هذه الواقعة تعيد فتح النقاش حول قانون جديد في المغرب يتعلق بالتبرع بالأعضاء البشرية بعد الوفاة ،
القانون 98/16 المتعلق بالتبرع بالأعضاء البشرية والانسجة البشرية واخذها وزرعها
ولتصادم الموضوع امام ثابتة دينية مؤصلة في الوجدان العام المغربي بكون الجسد ليس ملكا لصاحبه وليس له الحق في التصرف فيه بل وتكون المحاسبة عسيرة ، ويكفي نزع بعض شعيرات من الحواجب لكي يستدعي غضبا من الله ، فان القانون لقم بفتاوى فقهية لتسهل بلعه رغم انه لم يهضم لدى المغاربة
لا يحتاج المغاربة لقانون ليقوموا بالتبرع ، فالتبرع جزء اصيل من سلوكهم في الفرح وفي الترح ، يمارسونه بأريحية كبيرة ، يتبرعون بكل ما يستطيعونه ، يتبرعون بمالهم لبناء المساجد وجمع احتياجات الفقراء رغم فقرهم ، يتبرعون بمجهودهم فينقذون الغريق قبل وصول المساعدة ، ويطفؤون الحرائق قبل وصول المطافئ وينقلون المرضى الى المستشفيات قبل وصول الاسعاف ويولدون الحوامل قبل وصول القابلات وليسوا اقل كرما في المشاعر والوجدان ، يتبرعون يتبرعون بدموعهم في كل مأتم ويتبرعون بأدعيتهم لكل اهل الارض السابقين واللاحقين الا ان يرث الله الارض ومن عليها بل ويتبرعون بمصطلحات كبيرة للتبرع لتوسيع دائرة العطاء فمن لم يتبرع يتصدق او يهب او يتضامن او يتعاطف فالمغربي يولد متبرعا ويموت متبرعا وعند الموت توضع نقطة نهايته لكن لا يتبرع بعد وفاته ،
تفتح الواقعة النقاش حول قانون التبرع ، وقد كتب في الموضوع الكثير خاصة فيما يتعلق بحقوق المتبرع وحمايته
فالقانون أرسى بنودا في القانون تجعل من كل المغاربة متبرعين من حيث الاصل والغير المتبرع هو الاستثناء وذلك بتوثيق رفضه بشكل رسمي لدى رئاسة المحكمة الابتدائية حيث ينص الفصل 15 من القانون 98/16 على انه : “يعبر كل شخص يريد وهو على قيد الحياة أن يعترض على أخذ عضو من أعضائه بعد مماته عن رفضه الأخذ بواسطة تصريح يتلقاه رئيس المحكمة المختصة التابع لها محل إقامته أو القاضي المعين لهذا الغرض…”
ويستطرد الفصل 16 تأكيدا لما سبق على انه ” يمكن إجراء عمليات أخذ الأعضاء لأغراض علاجية أو علمية من أشخاص متوفين لم يعبروا وهم على قيد الحياة عن رفضهم الخضوع لعمليات من هذا النوع، في مستشفيات عمومية معتمدة تحدد قائمتها من طرف وزير الصحة إلا فـي حالة اعتراض الزوج وإلا فالأصـول وإلا فالـفـروع”
وهذا موقف خطير قد يجعل اجساد المغاربة مستباحة بعد الوفاة وخاصة ان القواعد القانونية لم تحدد ظروفا استثنائية للقاعدة ما عدا القيام بتصرف غير عادي وهو الاعلان عن الرفض وتوثيقه
القاعدة تجعل من اجسادنا علبا حافظة لأشياء قيمة تنتزع لدى الحاجة
وفي موضوع الخبر لا شك ان التصرف الذي قام به الطبيب بإقرار منه قد ارعب الاسرة المكلومة وافتقدت ادنى حس للمشاعر الانسانية واعتبرت المتوفى مجرد حاوية غيارات واعتبرت العائلة مجرد مواضيع التبرع المؤجل خاصة امام وفاة غير متوقعة لشاب في الثلاثين من عمره بفعل حادثة سير ، لم تتهيأ الاسرة للموت بسبب مرض
في بعض الاحيان موقف واحد يؤثر في مجتمع كامل ويبث فيه الرعب والقلق
هل من حق الطبيب القاء عرضه امام عائلة دون مقدمات
هل على فرضية قبول العائلة بفعل الرغبة لإعطاء فقيدها حسنات اضافية تحت بند الصدقة الجارية قبول يستوفي عناصر الارادة والادراك المستقل ، ام هو استغلال لعواطف منهارة قد لا تكاد تميز فعلا او قولا ؟ وقد تتراجع عنها بعد استرجاع وعيها ، وفي هذه الحالة ، كيف يمكن تصحيح التصرف بعد ابطاله ؟
ستتقبل العائلة الوفاة بعد فترة ، فالقضاء والقدر ينتظر كل حي لكن لن تتقبل تصرف الطبيب الذي تجرد من المشاعر والتعاطف ، فلو كان تبرع بسكوته لكان انفع للأسرة وله ايضا
عندما شرع القانون فقد شرع لهدف ومهما يكن نبل الهدف فان وسيلة التواصل تلعب دورها في تأصيله لكن في واقعتنا فقد كان التواصل مرعبا ، فقد تحول الطبيب الى زومبي مستعد لشحن انسان الى مسلخ وانتزاع احشائه حال نيل موافقة معيبة من اسرة منهارة
هل تتحول المستشفيات الى مسالخ لنزع الاحشاء بناء على قاعدة قانونية غير موفقة
لا شك ان القانون هو روح مجتمعه وابن بيئته ، لكن هناك قوانين لا يكون لها صلة بالمجتمع وتصطدم مع ثوابتها الدينية والوجدانية وفي هذه الحالة فان هذه القوانين تصدر وتترك لتستوي على مهل حتى تتشربها الثقافة بفعل التعود : بإبطال فعل الصدمة اولا ، ثم التقبل ثانيا ، ثم الانتقال الى الممارسة وذلك كله مع المصاحبة الاعلامية والفقهية والمشروعية القانونية لإنجاح الحقن
لكن هل عدم اقبال المغاربة ورفضهم لحد الان الاقبال على التبرع بالأعضاء بخل منهم في اعطاء الحياة لمن له فرصة بعد ان يفقدوها هم ؟
ولندع الجانب الديني الذي لن تتغير فيه القناعة مهما كانت الإيجابيات المفترضة للمتبرع له وللمتبرع
في قصة كانت احدثها دفن امرأة حية لمدة ثمانية ايام استنفرت الرأي العام ادت الى اخضاع الجثة لتشريح طبي خرجت بنتائج متناقضة حسب عائلة المعنية بالأمر ، هل يمكن لشخص ان يطمئن ان عملية إخلائه من اعضائه لن تكون إلا بعد وفاته ، ام قد يكون هناك احتمال القيام بالعملية وهو على قيد الحياة لكن في وضعية لا حول له ولا قوة ؟
في واقع انتزعت الحياة من اغلبية المغاربة وهم احياء يمشون على اقدامهم بعيون شاخصة نحو مستقبل مبهم ، هل لم يبق لهم الا التبرع بجسد لا يمتلكونه حسب يقين اغلبيتهم ” ليس الا امانة يستردها صاحبها “
التبرع بالأعضاء يكون لشخص اخذ كفايته من العناية في الحياة واستنفذ سبل الاستمرار فيها ، ولأهمية الحياة التي لم يستطع ان يستمر فيها يمنح بعضا منه للاستمرار ، بحدقة عين او بقلب او بكلية تعيش بدلا منه وقته الضائع ويجد فيها عطاء ومنفعة متبادلة وهي جزء من ثقافة الشخص استنبتها في تربة قانونية ملائمة
لكن التبرع في بلدنا لا يعيش على مثل هذه الثقافة المفتوحة على المستقبل ، بل قد يكون فقدان الاعضاء والنفس هي عملية حياتية للمتوفى في حياة اخرى موعود بها ليستردها كاملة ليمارس فحولة فاتته في دنيا فانية انتزع فيها منه كل شيء فكيف يتكيف مع واقع ان الميت يبعث على ما مات عليه ويقابل ربه بعضو ناقص بفعل عطاء لشيء لا يملكه
ان تصرف الطبيب _ بإقراره _يفتح نقاشا جديدا حول المستشفيات فبعد التعود على الشكوى من سوء الخدمات الطبية سيطرح موضوع نزع الاعضاء بغطاء التبرع وهو غطاء قانوني فمن لم يكن له مرافق من الاسرة قد يوضع رهن التبرع بالوكالة ، ومن كان له رفيق قدمت لهم عروض الصدقة الجارية
هذا النوع من التبرع بعيد على مجتمعنا فقبل الاقدام عليه يجب الاجابة على اسئلة كثيره ، وتهييئ واقع يحفظ كرامة الانسان حيا قبل ان يكون ميتا
_ هل يضمن المتبرع وصول الاعضاء الى مستحقيها في لوائح انتظار صارمة ؟ ام يلهفها من يستطيع ؟
_ الن تكون الحاجة الى اعضاء مدعاة الى اهمال متعمد يؤدي الى تعجيل الوفيات ؟
_ الن تهمل الجثة بعد الاخلاء ويتم حفظها بكرامة وتسلم الى اهلها او يتم دفنها في حالة عدم وجود اهل بشكل يحترم حرمة الجسد
هذه الاسئلة مطروحة في المجتمع ومبررها ان الاهمال اصبح شيئا عاديا ومعترفا به من طرف المسؤولين في القطاع والعاملين فيه ، وحينما تتحكم العادة تموت المشاعر
انه واقع مرعب في مستشفياتنا يكفي ان يلجها الشخص في مرض قد يسرع بوفاته اذا استدعى عقله هذا الكابوس بإمكانيه إخضاعه للتبرع القسري
فهل تتحول مستشفياتنا الى مسالخ لانتزاع الاعضاء ام ستكفينا الحكمة الخالدة
« وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها “
انه موضوع يستحق المناقشة ؟
سعاد الادريسي/ محامية و ناشطة حقوقية































