أعلم أن تقديم تصور يخص السياسة العامة، أو قل محاولة المساهمة في إعدادها أو متابعتها بل تقييمها، لا يقتضي بالضرورة أن تكون شيخا من شيوخ السياسة أو نجما من النجوم المصنوعة إعلاميا. لذا وبعد مراكمة تجربة متواضعة في هذه الحياة ليست بالكبيرة، بيد أنها تسمح لنا من باب حرية التعبير الانخراط في النقاش الدائر في بلادنا -حول النموذج التنموي الجديد الذي دعا إليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس- تقديم تصور من باب الإحساس بالمسؤولية والمشاركة في تحملها، والنابع من ضرورة الاهتمام بأمر الأمة لأننا جزء منها، لأن نجاحها هو نجاحنا وفشلها هو فشلنا جميعا، بعيدا عن العدمية ولغتها أو الانتقاد من أجل الانتقاد، بل الواجب القيام بما يسمح به حالنا ووفق قدرتنا مع تمنياتنا لكل فرد في المجتمع العيش الكريم.
بالمناسبة، قد سبق نشر مساهمة متواضعة تحت عنوان “رسالة بخصوص النموذج التنموي الجديد” تم التطرق خلالها لبعض الجوانب وفق ما جادت به غيرتنا عن مغربنا الحبيب، وأيضا التعود على المشاركة والمساهمة لتجاوز اليأس المتسلل إلى بعض النفوس والمتفشي في صفوف الشباب بالخصوص، حتى رأينا من الانتظار والترقب لحدوث تغيير ما بلغ مستويات تدعو للقلق، بل وصل إلى الإيمان بانتظار معجزة من المعجزات أو نزول ملك من السماء لتغيير حالنا.
حتى لا نكثر من الكلام وكثرة القيل والقال، لأن المقام لا يسمح بذلك، فإنه تقرر الاختصار قدر المستطاع حتى يتم الانسجام مع التصور الذي سيقدم، ذلك أن النموذج التنموي حسب فهمنا المتواضع وجب تقديمه في أقل عدد ممكن من الأوراق، بل لا يستبعد تقديمه في صفحة او صفحتين، حيث أن التصور لا يقتضي التطرق الى التفاصيل المملة، وحسبه في ذلك توضيح رؤية تستطيع خدمة الوطن والمواطن مما يجعلهما في قمة التميز، وكذلك حتى لا يبخس قدر المنظمات ذات الدخل في تنمية البلاد، لاسيما المنظمات السياسية التي من واجبها الأخلاقي والدستوري العمل على التخطيط والتنظير لتحقيق التقدم المنشود.
إذن، وجب خلال إعداد النموذج التنموي الجديد الاحاطة بوضعية المغرب من جميع الجوانب وعلى كل المستويات أي القيام بتشخيص دقيق (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية …). أما صياغة التصور لا يقتضي بالضرورة الاطناب والتطرق لكل شيء، لأن فلسفة تحديد رؤى الدول تعني وضع الهدف بدقة مع التوصية باعتماد نمط معين من الاقتصاد والقطاعات الممكن اعتمادها مع تحديدها في ثلاث على أكثر تقدير، أما تحديد الأولويات الكبرى لتحقيق النجاح والتميز في النمط الاقتصادي المختار فيرجع بالأساس إلى التنافس عليه من طرف الأحزاب السياسية والواجب ترجمته في البرامج السياسية للأحزاب.
لكن يبقى من الإشكالات التي تعيق التنمية في بلادنا الغموض الحاصل حول الجهوية المتقدمة المنصوص عليها في الدستور الجديد، ذلك أنها أصبحت تؤثر سلبا لعدم تنزيلها تنزيلا سليما عكس ما هو متوقع، حيث عرف التنزيل تعثرات لم يتم تجاوزها رغم مرور أربع سنوات من التطبيق الفعلي على أرض الواقع، وهذا ما أدى إلى فقدان الأمل من بعض الفاعلين والمتابعين، ما يعني إضاعة رصيد زمني لا يقدر بثمن في وقت كان الكل متفائل من النمط الجديد. لذا وجب الحسم في هذا الجانب حتى يتحصل الجو السياسي المناسب.
وعليه، فإن النموذج التنموي الجديد وأعضاء اللجنة المكلفة بصياغته في أمس الحاجة إلى التدقيق أكثر من أي وقت مضى، بل إن المهمة الموكولة إليهم في غاية الخطورة ولا تسمح للوقوع في ارتباك مهما كان نوعه، ذلك أن المغرب بحاجة إلى التدقيق في الوسيلة لبلوغ الغاية المحددة في توفير العيش الكريم وخلق التميز بين الأمم. ولعل أهم شيء وجب التقرير فيه من طرف اللجنة والمصادقة عليه من طرف صاحب الجلالة هو الوسيلة. وهذا لا يحتاج كما سلف الذكر الى كثير من الأوراق ولا كثير من الإنشاء حتى لا يفقد العمل السياسي معناه.
إذن، الوسيلة المعتمدة لإخراج البلاد مما عليه يمكن إجمالها في هذه الفقرة الأخيرة:
حتى يكون النموذج التنموي ذا بعد استراتيجي حقيقي وجب توجيه المغرب الى اقتصاد يعتمد على:
· الصناعة؛ حيث وجب اعادة تصنيع كل المواد الاولية المتوفرة وأيضا الاهتمام بالصناعة الفلاحية متخذين شعار الإبداع أسلوبا، مما سيوفر مناصب شغل قارة،.
· السياحة؛ حيث إن المغرب يتوفر على مؤهلات طبيعية في غاية الجمال والجلال، وايضا على تاريخ حافل بالمنجزات والآثار.
وقد يُسائلنا أحدهم لما هذا التحديد بالضبط؟ والجواب عليه لن يطول، ذلك أن نجاح اي اقتصاد يقتضي وجود التكامل بين مكوناته، ولا نظن إيجاد أفضل من هذين الاقتراحين لتحقيق المطلوب، بل إن نجاح القطاع الصناعي بصيغته المطروحة لن تجد أفضل وسيلة لتسويق إنتاجه من الاهتمام بالقطاع السياحي، لاسيما أن المغرب لا يحتاج لكثير من المجهود وجعله واجهة سياحية لتوفره -كما سلف- على مؤهلات طبيعية وتاريخية، يمكن تسويقها بأقل تكلفة نظرا للموقع المتميز الذي رزقه الله إياه.
في الختام، إن أهمية اللجنة المكلفة بصياغة النموذج التنموي الجديد تكمن في أخذ القرار الموجه لاقتصاد البلاد، عليه خط أحمر لا يجب تجاوزه، حتى لا يقع الارتباك والوقوع في التيه الذي ضيع علينا فرصا كثيرة، نتيجة الرغبة التي اجتاحتنا للعمل على خلق التميز في جميع القطاعات والمجالات، ما يعني عدم القدرة على النجاح في أي قطاع أو مجال. أما مستوى التنزيل وترجمة ذلك على أرض الواقع فتبقى مهمة المنظمات السياسية والمدنية بمختلف تلاوينها، بل هذا ما سيعيد للسياسة بريقها وللأحزاب السياسية دورها ويذكي فيها روح التنافس ونشر ثقافة التنافس على البرامج بعيدا عن لغة الصراخ وتبادل التهم.
إذن، لنردد بكل روح الأمل والتفاؤل والثقة، أنه سيتحقق هدفنا إن عملنا بكل إخلاص وقوة شريطة احترام ثوابت الأمة التي تعتبر الحصن الحصين لكل مبادرة أو عمل، حتى لا يٌصدم وجدان الأمة، حيث أن أي عمل يعارض بشكل جلي أو خفي ثقافة ومعتقد الأمة لن يكون إلا عائقا لتحقيق النجاح، ويكفينا من المحاولات الفاشلة التي ضيعت الفرص، بل خلقت من التيه ما جعل المواطن لا يهتم إلا بنفسه، حتى أصبحت الهجرة وهجرة الأدمغة أسلوبا للتعبير عن الغربة التي يعانيها الفرد في وطنه.
اللهم ارزقنا رؤية ثاقبة وإيمانا لا يأتيه اليأس من كل جانب.
اللهم ارزقنا المنطق والعمل به.
حسن المرابطي































