التبريس: متابعات
ارتبطت جمعيات المجتمع المدني في المغرب بالتوجهات السياسية، منذ أن احتاج أصحاب القرار السياسي، سواءا في الأحزاب أو في الدولة لقنوات لتصريف تصوراتهم بغرض ممارسة السلطة، فكانت جمعيات إسلامية وأخرى يسارية ويمينية ومخزنية… الخ، وبالتالي صارت الجمعيات في البلاد مثل “دكاكين” بيع المواد الغذائية، تبيع خطاب وتصور الواقف وراءها من هذا التوجه أو ذاك.
في عقد السبعينات من القرن الماضي، ظهرت أولى إرهاصات الحركة الامازيغية بالمغرب، وتطور الخطاب الأمازيغي ما بين السبعينات وبداية التسعينات بشكل بطيء للغاية نظرا للمناخ السياسي العام الذي طبع تلك المرحلة، ومنذ بداية التسعينات إلى نهاية الألفية الثانية، تطور الخطاب الأمازيغي بالموازاة مع تطور البنية التنظيمية للحركة الأمازيغية التي أصبحت قوة اقتراحية صعبة التجاوز، ورقم صعب في معادلة الصراع المجتمعي بالبلاد.
منذ تلك الفترة، بدأت العقول الأمنية والإستراتيجية في التخطيط لتكسير شوكة الحركة التي استفادت من طقس الإنفتاح السياسي النسبي الذي عرفه نظام الحسن الثاني منذ أواسط عقد التسعينات تحت ضغط المتغيرات الدولية التي طبعت تلك المرحلة، حتى لا تتحول الحركة الأمازيغية إلى متنازعة عن شرعية النظام السياسي، ولهذا الغرض استعان النظام بزمرة من المنبطحين، وبتنسيق مع عقول مدبرة للملفات التي تتجاوز كل الإختصاصات، التي يتداخل فيها الأمني بالسياسي بالحقوقي بالإعلامي… فتم إنشاء الإيركام لسحب البساط من تحت أقدام الحركة، ومن الكونغريس العالمي الأمازيغي الذي كان قد تأسس قبل بضع سنوات، وأيضا لتشتيت الحركة وبالتالي ضمان ضعفها في معادلة الصراع.
وهكذا، اختفت تجربة التنسيق الوطني، لتحل محلها التنسيقيات الجهوية التي ستختفي بدورها لتظل الجمعيات الأمازيغية شبيهة بجزر مبعثرة هنا وهناك ستغمرها مياه الطوفان السياسي مهما كانت ضعيفة في أي لحظة وحين، والأكثر من هذا صنعت أجهزة الدولة في كل هذا عناصر أوكلت لهم مهام محددة والمتمثلة في خلخلة البنية النضالية للحركة.
شكيب الخياري: المخبر في جلباب حقوقي
يعتبر شكيب الخياري رئيس جمعية الريف لحقوق الإنسان، من بين أبرز العناصر التي أسندت إليهم أجهزة المخابرات المغربية مهمة خلخلة البنية النضالية للحركية المدنية والسياسية بالريف. قام بتأسيس جمعية بإسم “جمعية الريف لحقوق الإنسان” لتتحول جمعيته في ظرف وجيز إلى مصدر للعديد من المعلومات، وإلى أداة لوضع المسافة الضرورية بين أكثر من طرف بمنطقة الريف التي هي منطقة بالغة الحساسية من الناحية السياسية والأمنية. وبين هذا وذاك اتجه الخياري إلى العمل الجمعوي الأمازيغي نظرا لمكانة المشهد الأمازيغي في المعادلة السياسية الوطنية، خاصة بالريف، (الناظور تحديدا) لينخرط في الكونغريس العالمي الأمازيغي رغم كونه لم ينخرط قط في أية جمعية أمازيغية من قبل، ولعب دورا هاما في تشتيت المنظمة العالمية الأمازيغية إلى جانب أحمد أرحموش الذي كان محاميا له لحظة اعتقاله (في الحقيقة لحظة بداية التدريب المكثف في أجهزة الدولة) بتنسيق مع خالد الزيراري.. وآخرون.
سنة 2007، خرجت الحركة الأمازيغية بالريف (وقوامها جمعيات متعددة قاربت الثلاثين آنذاك) في تظاهرة فاتح ماي مطالبة بالحكم الذاتي للريف كحل سياسي لتجاوز الإشكاليات العميقة الموروثة عن الإستعمار الفرنسي، وهنا نصب الخياري نفسه عدوا للمبادرة، متهما أعضاء الحركة من أجل الحكم الذاتي للريف (الذين سيصبحون فيما بعد حلفاؤه) بالتحالف مع تجار المخدرات، وبكونهم يريدون بناء نموذج سياسي بأموال المخدرات.
بعد دخول السجن كنوع من معاقبة الأجهزة لأعضائها، والخروج منه، اتجه إلى زرع الالغام واختراع الدسائس لتشتيت الحركة الإحتجاجية التي كانت قد بدأت في الإنسجام فيما بينها وقت تواجد الخياري وراء القضبان، وهكذا بدأ يجول في الدول الأوروبية ومن اتهمهم بالأمس بالتحالف مع تجار المخدرات يستقبلونه بالورود في هذا البلد الأوروبي أو ذاك، دون أن يطرحوا ولو سؤال بسيط حول من يمول شكيب للقيام بكل تلك التنقلات والنزول في أفخم الفنادق؟
في ذكرى معركة أنوال للسنة الماضية، قام بالتنسيق مع بعض المحسوبين على الحركة الأمازيغية بالناظور ومنعم شوقي وأجهزة استعلاماتية قصد إخراج مسرحية سُميت الإحتفال بذكرى معركة أنوال في المعبر الحدودي، وهو ما أحدث شرخا داخل الحركة الأمازيغية بعد تسرب المعطيات حول اقتسام غنيمة آتية من دار المخزن بين الأشخاص الثلاث (أنظر العدد الأول من المجلة)، وبالتالي “خندقة” الحركة الأمازيغية في الخطاب الرسمي للدولة، كما صرح بذلك شكيب نفسه.
الخلاصة أن بعض مشعوذي الحركات الإحتجاجية، استغلوا الأوضاع الناتجة عن الصراع غير المتكافئ بين المخزن والحركة، وشيدوا بيوت عنكبوت على حساب معاناة المناضلين الاشاوس، وأخروا الركب أكثر فأكثر، ومن ثم فإن ما حققه هؤلاء لا يعدوا تحسين ظروف معيشية لمشعوذي النضال، وأصبحوا يقتاتون من دم ومعاناة أبناء هذا الريف.
أحداث آيث بوعياش: الخياري يطالب باعتقال نشطاء الريف الديمقراطيين
عندما اندلعت أحداث آيث بوعياش التي استعمل فيها الأجهزة المغربية العنف المفرط ضد محتجين ذوو مطالب سياسية واجتماعية عادية جدا، وارتكبت ذات الأجهزة خروقات كبيرة جدا في حق سكان البلدة (تهديد بالاغتصاب، سرقة، تدمير الممتلكات …الخ)، سارع شكيب الخياري إلى اتهام محتجي البلدة بــ “الفوضى” واعتبرهم غير منظمين وبكونهم يقومون بــ “الإخلال بالأمن العام”، قبل أن توجه النيابة العامة نفس التهم لمعتقلي أحداث آيث بوعياش القابعين حاليا في السجن المدني بالحسيمة، ليتحول بذلك الرجل من “حقوقي” إلى مساعد لأجهزة المخابرات في تلفيق التهم (التهم التي حوكم بها محتجي البلدة الريفية ملفقة كما بينت ذلك مختلف الأدلة) ممارسا بذلك لنوع من العنف الرمزي الذي جاء بالموازاة مع العنف المادي الذي مارسته السلطة في حق أبناء الريف.
والأكثر من هذا، طالب السيد الخياري باعتقال فاعلين ومناضلين مغاربة مقيمين بهولندا بحجة ” سعيهم ” إلى تأجيج الاحتجاجات في ايث بوعياش، فهذا ما لا يمكن قبوله نهائيا ولا السكوت عليه، واليكم كلامه بالحرف ” الخطأ الثاني الذي وقع في الاحتجاجات هو اعتقال البقالي عبد الحليم واهباظ ومجموعتهما، حيث كانوا هم الذين صدموا الباحثين عن التأجيج، بالمقابل لم يتم إلقاء القبض على الباحثين على التأجيج”، والباحثين عن التأجيج ،حسب الخياري دائما، هم الريفيون الديمقراطيون المنتمين للصف الحداثي، سواء المقيمين بالريف أو بالمهجر على حد تعبيره في ندوة منظمة بمدينة أوتريخت الهولندية شهر أبريل من السنة الماضية.
عن الاكسبريس. كوم































