إن أي حديث عن “عمل الزوايا” هو بالضرورة اقتراب من مهام “الإصلاح والعمل التربوي للزوايا”، ومعلوم أن اختيار هذا الحديث، هنا والآن، أملته جملة من المعطيات المحلية والإقليمية والتي تطرح بإلحاح على أهل النسبة الإحسانية معاودة تأمل واقعهم والنظر في خطابهم وموقعه ضمن التفاعلات الراهنة المختلفة، وخصوصا أمام ما صار يتهدد خصائص التدين المغربي من تلبيسات وتخليطات وتحريفات تقتضي من أرباب الشأن الصوفي التداول بعمق في كيفية المحافظة على الرسالة التربوية للزوايا بوصفها مؤسسات صلاح وإصلاح، وفي طبيعة وحضورهذه المؤسسات في الفضاء المجتمعي الحديث لتجديد دورها الروحي ووظائفها التربوية الأصيلة.
ضمن هذا الأفق تأتي هذه الورقة البحثية، والتي تتمحور أساسا حول مقاربة راهن التصوف ومؤسسات الصلاح في المغرب، ومعوقات تجديد وظائف هذه المؤسسات في محيطنا الاجتماعي والثقافي، وسبل تجاوزها. إنها ورقة تغامر بالقراءة؛ قراءة كاشفة وصريحة للواقع من أجل تجديد العمل.
سنتوسل بداية بإضاءة تعريفية للزاوية والإشارة إلى بعض وظائفها، قبل محاولة رصد ما يعترض تجديد العمل التربوي للزوايا من آفات، واستشراف آفاق تجاوزها.
1- إضاءة وجيزة حول الزاوية ووظائفها
الزاوية لغةً هي الجهة والركن، فيما تشير اصطلاحا إلى موضع معد للعبادة والإيواء وإطعام الواردين والقاصدين، وتعرف بأنها «مدرسة دينية ودار مجانية للضيافة تشبه كثيرا الدير في القرون الوسطى». وقد ظهرت الزوايا في المغرب بعد القرن الخامس الهجري، وكانت تسمى في البداية بـ”دار الكرامة” كالتي بناها يعقوب المنصور الموحدي في مراكش. ومن أقدم الزوايا في المغرب التي نُعتت بهذا الاسم زوايا الشيخ أبي محمد صالح دفين آسفي (ت.631هـ/1234م)، والتي تعددت وتكاثرت وانتشرت على طول الطريق بين المغرب ومصر لإيواء أصحاب الشيخ أبي صالح عند سفرهم للحج، وتشجيعهم على زيارة بيت الله الحرام.
والزوايا، بهذه النعوت، أشبه ما تكون بالخوانق أو الخانقات في المشرق، بل إن بعض الباحثين يذهب إلى أن عناية ملوك المغرب بإنشاء الزوايا (مثل ما أطلق عليه “دار الضيوف” والتي بناها المرينيون، أو “الزاوية العظمى” التي أسسها أبو عنان المريني خارج فاس)؛ إنما هو تقليد من ملوك الغرب الإسلامي للمشارقة وسير على منوالهم؛ لكن الناظر في تاريخ الزوايا وفي أدوارها المتنوعة يدرك مدى تجاوب هذه المؤسسات مع خصوصية جغرافية وتاريخ ومسار ومعالم الحضارة المميزة للغرب الإسلامي.
وعموما فإن الزاوية –التي كثيرا ما يتداخل مدلول اصطلاحها ومضمونه مع اصطلاح “الرباط” لتقاطع وتداخل أدوارهما الجهادية والتعبدية والإيوائية- قد عرفت انتعاشا وتطورا كبيرين في المدلول والوظائف منذ القرن العاشر الهجري، خصوصا وأن هذا القرن قد شهد امتداد أطماع النصارى إلى الثغور المغربية بعد تغلبهم على المسلمين بالأندلس، وإزاء قصور وعجز الدولة الوطاسية عن الدفاع عن حمى المسلمين في المغرب، ستنهض الزوايا للاطلاع بهذا الدور، وبذلك ستعرف تحولا وظيفيا في مسارها لتصبح رقما رئيسا في المعادلة السياسية بالبلاد، تتدخل في الشؤون السياسية وتدعو إلى الجهاد ومقاومة المحتل الأجنبي.
على أن الزاوية، وإلى جانب أدوارها التعبدية والاجتماعية والإطعامية والجهادية، ثمة ميسم رئيس أصبح محددا لهويتها ومنذ القرنين السادس والسابع الهجريين، وهو الطبيعة الصوفية لشقها التعبدي والذي يقوم على تبني طريقة صوفية، أي منهاج روحي صوفي معين تُردد أذكاره وأوراده وتمارس طقوسه في حمى الزاوية، وينظمه نظام معين يؤطر العلاقة الروحية والتنظيمية بين شيخ الطريقة ومريديها، ثم بين الزاوية المركزية وفروعها. وهذا ما جعل البعد الروحي المنظم والمدعوم بالتربية الصوفية والتكوين العلمي، يشكل البعد الثابت ضمن الوظائف المختلفة الاجتماعية والسياسية والجهادية التي كانت تنشط أو تضمر في المسار التاريخي لكل زاوية تبعا لطبيعة طريقتها وحسب سياقها التاريخي المخصوص.
من هنا نرى أن الزاوية هي أساسا مؤسسة دينية روحية تنتظمها طريقة صوفية معينة ونظام معين يربط الشيخ بالمريد والمركز بالفروع، وتضطلع بأدوار تربوية وتعليمية وإصلاحية واجتماعية وجهادية، تحضر جميعها أو بعضها، وتتفاوت في درجة هذا الحضور بحسب طبيعة كل زاوية وتبعا لشروط السياق التاريخي الذي يحكمها، على أن الثابت في هويتها الوظيفية هو المستوى التربوي الروحي. وهنا يلزمنا التذكير بتمييز إجرائي غالبا ما يسقط سهوا فيغمر غيابُه النعوتَ بظلالٍ من الغموض والارتباك، أعني الممايزة بين “الطريقة” من حيث هي منهاج صوفي للتربية والتأهيل الروحيين، وبين “الزاوية” من حيث هي فضاء جغرافي ومركز مؤسساتي يمثل السند المادي والأجرأة التأطيرية والتنظيمية للطريقة. فالطريقة تُسند وتنسب لمؤسسها وقائدها الروحي، فيما الزاويةُ تنسب إما لمؤسس الطريقة أو لمشيد أركان تلك الزاوية بوصفها فرعا لمركز تلك الطريقة أي الزاوية الأم. ونسبةُ الزاوية إلى مشيدها إنما جُعلت للتمييز بين فروع الطريقة الواحدة والتفريق بينها في حالة تعددها وتكاثرها.
وإجمالا، فقد ظلت الزوايا مؤسساتٍ تأطيريةً للمجتمع تدرِّس العلوم اللغوية والشرعية والعرفانية، وتؤوي العابر وابن السبيل، وتطعم الفقراء وتكفل المحتاجين، وتصلح ذات البين بين الأفراد والجماعات، وتعبئ للجهاد والذود عن الثغور، وتلقن مكارم الأخلاق، وتنشر قيم التضامن والتكافل والتلاحم والتسامح والتساكن في المجتمع، كما حافظت على ثوابت التدين المغربي على مستويات العقيدة والفقه والسلوك، وشكلت مناراتٍ علميةً وحضارية وجمالية بمكتباتها وخزائنها، ومعمارها وقبابها، وأذكارها وسماعها، وبهاء حلقاتها ومحاسن مجالسها، فضلا عن إسهامها في تربية الأذواق وتهذيبها في مختلف المناحي.
غير أنه حصلت تحولاتٌ تاريخية أدت إلى تراجع أدوار الزوايا بعد أن افتقدت كثيرا من الوظائف التي كانت تضطلع بها في المجتمع التقليدي كمؤسسات تأطيرية للمجتمع؛ وظائف تعليمية وسياسية واجتماعية واقتصادية وقضائية وجهادية لم تعد من مجال عملها بفعل عملية التحديث التي طالت المجتمع؛ والتي كان من نتائجها توزيع قطاعات العمل هاته على مؤسسات الدولة الحديثة ( التعليم، القضاء، الاقتصاد، الدفاع…)، واستئثار مؤسسات الأحزاب بالعمل السياسي ومؤسسات المجتمع المدني بالعمل الحقوقي والاجتماعي..إلخ. وهو ما يدعو الزوايا إلى إعادة الاعتبار أساسا لوظيفتها التربوية الروحية، والتي تشكل اليوم مدخلها الرئيس للإسهام في نشر القيم الإحسانية التي عمل أربابها على زرعها في النفوس، ومن خلالها الإسهام في التخفيف من غلوائية المادية التي تهيمن على الحياة الحديثة، هذا فضلا عن دور الزوايا اليوم في المحافظة على ثوابت التدين المغربي التي صانت المغرب من براثن الطائفية والتشرذم، وكذا محاصرة كل فهم حرفي متشدد للدين يحيد به عن قيم الوسطية و العتدال والمحبة والتسامح والتراحم، ويغتال كل الأبعاد الحضارية والجمالية والذوقية في حياتنا الدينية بدعوى “البدعة” و “الابتداع”؛ وذلك في فهم سقيم للنص الديني والواقع في آن، وفي تجن ظاهر وجهل سافر بقيمة علماء مغربنا الذين رسخوا الإسلام دينا ومعاشا وثقافة في هذه الأمة، وصدوا محاولات “وهبنة” المجتمع المغربي المسلم (1) بفضل موسوعيتهم العلمية، ورحابة أفق فهمهم للنصوص الثابتة والواقع المتحرك، وجمعهم، في ألفة سعيدة، بين الشريعة والحقيقة، بين الفقه والتصوف، بين العلم والعمل، بين معرفة الأخلاق والتخلق بأخلاق المعرفة.
هكذا يبدو أن المرحلة التاريخية الراهنة، تضع على كاهل أرباب النسبة مسؤولية جسيمة لاستئناف العمل، وتجديد هذه الوظيفة التربوية والروحية والحضارية للزوايا، بما يضمن لها مواصلة نشر القيم التلحيمية لوحدة المجتمع المغربي المسلم، والإسهام الحضاري في محاصرة الفكر التكفيري والتطرف الديني الذي يمارس العنف والإقصاء باسم الحقيقة الإلهية من جهة، وكذا الإسهام من جهة أخرى في معالجة مخاطر النسبية المطلقة والمنزع العدمي وانقراض المعنى والفراغ الروحي والتيه الرمزي وغير ذلك من المخاطر التي تهدد بها الحداثة الهوجاء والعولمة غير المرشدة الإنسانَ المعاصر. ربما كان على أهل هذا المشرب العملُ من أجل إطلاق حركة تنويرية إسلامية روحية تحمل على عاتقها تجديد فهم الدين بما يخدم حرية الإنسان وكرامته، ويطلق طاقاته الإبداعية ذات النفع العام في مختلف المجالات، وينشر قيم الروحانية الإسلامية الكونية في عالم هو أحوج ما يكون إليها لتجاوز مختلف الاختلالات الرمزية والأخلاقية التي تخترق زمننا المعاصر.
لكن، وكيما تستطيع الزوايا، بما هي مؤسسات صلاح وإصلاح، الإسهام في هذا الورش الكبير، والاضطلاع بهذه المسؤولية، لابد من الالتفات الصريح والمرشِّد إلى بعض الآفات التي اعترتها لاعتبارات تاريخية مختلفة، والتي برزت بشكل سافر لما أعادت جملة من التحولات المعرفية والإيديولوجية والحضارية الاعتبارَ للشأن الصوفي خلال العقد الأول من الألفية الثالثة.
2- الزوايا وسؤال الرهانات الجديدة
إن تلك التحولات التي شهدتها السياقات المعرفية والإيديولوجية والحضارية خلال العقد الأخير، والتي وقفنا عندها بتفصيل في مناسبات سابقة، (2) قد بوأت التصوف منزلة جديدة صار له فيها اعتبار، وبتراثه ومؤسساته وأعلامه اعتناء؛ ذلك أنه أصبح يحضر بقوة ضمن ما صار يُعرف في المغرب بدءا من 2004 بـ”إعادة هيكلة الحقل الديني”، وأضحى يُنص عليه بجلاء ضمن “الثوابت الدينية للمملكة”، كما اعتُبر عاملا رئيسا من عوامل صيانة “الأمن الروحي” للبلاد.
ها نحن إزاء معجم جديد يرسم الأفق الجديد الذي ينحو نحوه الشأن الديني في المغرب، خصوصا بعد امتداد “العنف الديني” و”التطرف” إلى المغرب عبر أحداث 16 ماي 2003، والتي وُصفت بكونها الوجه المحلي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر. من هنا كان التنصيص ضمن “ثوابت الحقل الديني” على “التصوف السني” كمكون من مكونات الهوية الدينية المغربية لمحاصرة “التدين الدخيل”، والذي أصبح يتهدد المغرب والمغاربة. فإعادة التأكيد على رباعية “إمارة المومنين” و”العقيدة الأشعرية” و”المذهب المالكي” و”التصوف السني”، مثلت مشروعا لبعث المناعه الدينية ضد التيار السلفي الوهابي بأوجهه الدعوية والحركية و”الجهادية”؛ وهو التيار الذي كان قد بدأ يجد له في البلد مواطئ وامتدادات، سواء في صورته الفكرية والحركية أو في صيغته المتطرفة التي تمثلها “القاعدة” ومشتقاتها. (3)
لن نعود هنا إلى كل الظروف المحلية والإقليمية والعالمية التي عملت على جعل امتداد هذا التيار أمرا واقعا في المغرب، والتي من بينها محليا التفريط في مؤسسات إنتاج وصيانة التدين المغربي سواء منها العلمية (القرويين مثلا) أو الروحية (الزوايا,,,) أو الاجتماعية (ثقافة التضامن مع الفقيه التقليدي ودعم موقعه الاجتماعي…)، أو الإعلامية (ضعف التأطير الديني إعلاميا…)، وكذا الزج بالتعليم الديني في أتون الصراع الإيديولوجي الذي كان يرفد التنافس السياسي الحاد بين ما عُرف بالتيار السياسي اليساري والسلطة الرسمية (خلق شعبة الدراسات الإسلامية والتضييق على شعبة الفلسفة في الجامعات المغربية…)؛ هذا فضلا عن تواطئ نفعي من لدن بعض الجهات التي أفادت من الأموال الداعمة بسخاء للدعوة الوهابية؛ باعتبارها إديولوجية رسمية تمد بعض “الدول” القبلية بمشروعية سياسية ذات لون دعوي ديني. من هنا نفهم سر الهشاشة التي أصيبت بها مناعة “التدين المغربي” والتي حاولت “إعادة هيكلة الحقل الديني” تداركها.
إن الرؤية الرسمية لإعادة الهيكلة هاته، على اختلاف في تقييمها، قد عرفت –على مدى ما يقرب من عقد من الزمن- نجاحات وتعثرات، غير أن رهانها على “التصوف السني”- مع ما في هذا الاصطلاح من تجاوز يقتضي جملة من التحفظات– للإسهام في بعث مناعة التدين المغربي ضد أنماط التطرف الوافد؛ هذا الرهان قد تهجن في سلوك العديدين الذين لم يعوا العمق الحضاري والكوني لحضور التصوف في الراهن، وتعاملوا معه تعاملا “سياسويا ظرفيا”، وفهموا اصطلاح “الأمن الروحي” فهما مغايرا لما أُريد منه في سياق إعادة هيكلة الحقل الديني، بل منحوه مدلولا ضيقا بدل إعطائه معنى اجتماعيا واسعا ودلالة حضارية وغائية وجودية تتجاوز الصراعات الظرفية والتناقضات السياسية العابرة. وقد دعم هذا وعضَّده، مع عميق الأسى والأسف، الواقعُ المتردي لأغلب الزوايا، والتي ترك عليها الإهمال والنسيان آثارهُما سواء على معمارها ورسومها أو مضمونها و وظائفها، حتى أضحى الكثير منها مجرد “أطلال” تدل على حضور تاريخي “دارس”. وضع كهذا لم يكن إلا أن تنتسل منه آفات وهنات، منها ما كان كامنا فبرز، ومنها ما أفرزه استدعاء الزوايا إلى حلبة التنافس الديني والصراع المجتمعي ضمن ملابسات تختلف جوهريا عن تلك التي شكلت مجد حضورها في محطات تاريخية سابقة، مما كشف من جهة عن عورات في تلك “الرؤية الاستدعائية” من جهة، وعن تردي واقع الطرقية المستدعاة من جهة ثانية، وعن تمنع التصوف، كمعرفة وذوق وأفق، عن أي قراءة سياسوية من ناحية ثالثة.
3- احترازات لابد منها
قبل الوقوف عند الآفات التي مست واقع “التصوف” و”الزوايا” في ظل الرؤية الاستدعائية المذكورة؛ سيكون علينا أن نسجل احترازات لابد منها:
أ- ثمة اختزال سائد للتصوف في الزوايا، في حين يعلم كل باحث حصيف في هذا الشأن، أن الطرقية (أي التصوف الطرقي الممثل بالزوايا) هي وجه من الأوجه التاريخية لأجرأة التصوف، وأنها ليست سوى مرحلة في تاريخ التصوف الإسلامي، مما يجعل من باب الإجحاف وسوء الاستيعاب اختزال التصوف، كمعرفة وذوق وأفق، في “الطرقية” على أهميتها وسمو أدوارها السالفة التي لا تنكر؛ والتي تحتاج إلى إحياء وتجديد كما أسلفنا؛
ب- إن الوقوف عند الآفات التي مست أساسا الممارسة الصوفية بالزوايا في ظل الرؤية الاستدعائية الرسمية، يستجيب لتقليد صوفي محض، ويتمثل في ممارسة الصوفية “للحسبة” على طريقتهم؛ أو ما نسميه اليوم بـ”النقد الذاتي”، حيث كانوا دوما يحرصون على ترشيد مسارهم عبر التآليف الموجِّهة والناقدة لواقع الممارسة الصوفية، والمميزة لسليم التصوف من سقيمه. فقد ظهرت منذ القرون الأولى لتاريخ التصوف الإسلامي اصطلاحات مثل “الصوفي” و “المتصوف” و”المستصوف” دلالة على التمييز بين الصادق والمنافق من منتسبي الطريق، بل إن كثيرا من المصادر الصوفية لم توضع إلا بقصد الترشيد والتنخيل، وذلك عبر تخليص الممارسة الصوفية من “البدعة” و”التحريف” و”التخريف”. ومن يُراجع كتب الأوائل مثل “الرسالة القشيرية” أو “لمع” الطوسي أو “قوت القلوب” لأبي طالب المكي، أو “كشف المحجوب” للهجويري، أو “إحياء” الغزالي، أو “عوارف المعارف” للسهروردي.. سيقف على عدالة ما نقول بيسر وسهولة؛ وسيكتشف أن القوم دأبوا على التمييز في طريقهم بين “المخلص” و”المدعي”؛ حتى إن واحدا من أعلام التصوف في الغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري وهو أبو مدين الغوث، ضَمَّن ذلك رائيته الشهيرة في التربية الصوفية لما قال:
واعلم بأن طريق القوم دارسة وحال من يدعيها اليوم كما ترى
وقد بلغ هذا الترشيد أوجه مع “محتسب الصوفية” أحمد زروق الفاسي خلال القرن التاسع الهجري، خصوصا في كتابيه “عدة المريد الصادق” و”قواعد التصوف”، وهو ما استمروامتد في الأطوار اللاحقة مع الأكابر ولم يخفت إلا مع خمول شأن التصوف في العهود الأخيرة.
ج- إن محاولتنا للوقوف عند الآفات التي نجمت عن التعامل والاستثمار غير الرشيدين للموروث الصوفي، ليس إنكارا أو تنكرا لما للتصوف ومؤسساته وأعلامه من أدوار كبرى، روحية وعلمية وتربوية واجتماعية وإصلاحية وجهادية وسياسية، اضطلع بها في مراحل تاريخية حرجة من تاريخ المغرب، ومازال بإمكانه أن يضطلع بأخرى في راهنننا محليا وكونيا، وإنما نروم من الوقوف عند تلك الآفات إنجاز بمقاربة نقدية للممارسة الصوفية الراهنة وقياس مدى قدرة أهلها على الاضطلاع بقراءة ملائمة لشروط زمانهم وأسئلة عصرهم ورهانات أمتهم، ومن ثم التدخل السليم، شكلا ومضمونا، للإسهام في تجاوز العوائق الفكرية والانحرافات التكفيرية التي تعكر علاقة المسلمين اليوم بدينهم و محيطهم وإكراهات زمانهم. إنها بإيجاز محاولة تنحو نحو رفع مآزق الاستثمار المعطوب للموروث الروحي الإسلامي الباذخ، أكانت مآزق في القراءة أو الفهم أم مآزق في التنزيل والممارسة، وسواء أكانت مآزق تتصل بالقراءة أم تلك المتلبسة والملتبسة بالمقروء.
إنها احترازات منهجية ضرورية رأينا أن نصدر بها رَصدَنا لما يسري في الممارسة الصوفية بالمغرب الراهن من أعطاب؛ وما آلت إليه الزوايا في ظل الرؤية الاستدعائية الرسمية من آفات؛ سنتولى، بإيجاز تحليلها والتفصيل فيها واقتراح مابه نرشدها في ضوء قراءتنا للتحولات البنيوية الجارية محليا وإقليميا وعالميا.
4- واقع الزوايا: الآفات وآفاق تجاوزها
ها نحن نحاول، بقلب مفعم بمحبة الزاوية وأربابها، ومن باب البرور لثقافة الترشيد التي سلكها صلحاؤنا وشيوخنا؛ أن نقف عند الآفات التي تسربت إلى -أو تولدت مع- بروز العناية بالتصوف حديثا، وهي الآفات التي أصبحت تعوق طبيعة حضور التصوف كأفق ومعرفة وذوق؛ بل وأضحت تزيغ بهذا المنهاج التربوي والروحي الإسلامي عن مقاصده التي ما فتئ أربابه يؤكدون عليها قولا وعملا وحالا. وإجمالا يمكن رصد هذه الآفات في أربع نطلق عليها: الإفشائية، والطقوسية، والحظوظية، والتعصبية.
سأبدأ بـ”الإفشائية”: ما معنى الإفشائية؟ الإفشاء يعني هنا الصدع بـ “السر” حيث يجب أن يُكتم، وهذا التوصيف مستعار من لغة الصوفية، وننظر فيه لقول الإمام الشبلي: “لاتفش سر الله بين المحجوبين” (4)، وكذا قول الشيخ محمدالحراق في رائيته الشهيرة:
وألقت فيه سرا ثم قالت أرى الإفشاء منك اليوم عارا
وقد كان الصوفية دائما يتحدثون عن ضرورة إخفاء السر عن غير أهله؛ فقد استعملوا فيما بينهم معجما خاصا وتواضعوا على مصطلحات وتداولوا إشارات ذوقية صاروا بها يُعرفون، وبها ينماز “علمهم” عن سائر العلوم، واشترطوا لإقامة مجالسهم الذكرية والتنسكية بطقوسها الروحانية المخصوصة شروط الزمان والمكان والإخوان، بل جعلوا سماع الحقائق (سماع كلام القوم الفائض بالإشارات ولغة الأذواق) بوجه خاص مما يُضن به على غير أهله، ومن ثم لا يمكن أن يستفيد من هذا السماع- بما هو إنشاد ترنيمي يقدح أحوال القوم ويعبر عن مواجيدهم- إلا من تأهل بالرياضة والمجاهدة وتحقيق النسبة وإخلاص الصحبة والمداومة على الأذكار والأوراد..إلخ، لماذا؟ لأن هذا السماع لا يُحدث في القلب شيئا وإنما يُحرك ما فيه، وقد قالوا: “لا يصلح هذا السماع إلا لمن كانت نفسه ميتة وقلبه حي”، ومن ثم فقد يفقد هذا السماع هويته الروحية إن استُعمل في غير نسقه و وفق غير شروطه، مما قد يجعل الوسيلة تزيغ عن الغاية، أعني الغاية التربوية الروحية التي يطلبها القوم من الموسيقى في نسقهم الصوفي.
الآن ما الذي حصل؟ أُخرج التصوف إجمالا وفن السماع تعيينا من الزوايا إلى الفضاء العام للمجتمع؛ للإعلام والقنوات والملتقيات والمهرجانات..إلخ، وهذا أمر استدعته الحاجة الراهنة إلى التصوف في وجهه الروحي والجمالي كما سلف، فكان من آثاره أن خرج الخطاب الصوفي إلى التداول العام دون كبير عناية بتأهيل المتلقي “العام” و”المعاصر” للتعامل مع هذا الخطاب وفق لغته وضمن نسقه، وكذا دون تأهيل هذا الخطاب ليتجدد بما يلائم انفتاح المجتمع المعاصر وتعدده وسرعة تداول وانتشار المعطيات والمعلومات والمعارف فيه بشكل غير مسبوق. كما كان من آثار تدهور الأدوار التقليدية للزوايا خروج فن السماع إلى الفضاء المفتوح للمجتمع ليعلن عن نفسه باعتباره “فنا” من الفنون الإسلامية التراثية، لكن هذا الخروج، وللسبب نفسه أي الضعف التأطيري الروحي للعديد من أبناء الزوايا، لم يكن محصنا بالاحترازات اللازمة الكفيلة بالحفاظ على روحانية هذا الفن و”صون سره الذوقي عن غير أهله”؛ ذلك أننا حين نقلنا الجلسة السماعية من فضاء الزاوية المغلق، ومن النسق الصوفي الخاص، ومن روحانية المكان و تجانس الإخوان؛ حيث انتعاش سيميائية المقدس من خلال مختلف المؤثثات المستحثة لمواجيد خاصة، وهو الأفق الخاص الذي يضطلع فيه السماع بوظائفه المخصوصة بل منه يستمد هويته؛ حين نقلنا السماع إلى الفضاء العام المجتمع، أصبحنا إزاء وضعية جديدة يُفشى فيها” سر” القوم إلى “الجمهور”؛ بحيث يسم































