نأيت بنفسي عن الإدلاء بأي موقف في ما يخص التطورات الأخيرة التي شهدها ملف جهة الصحراء المغربية مؤخرا. خاصة مع تسارع الاحداث بشأنها حتى تظن وكأنك أمام سنفونية تعزف في تكامل تام بين جميع عناصرها التي وإن بدت متصارعة في ما بينها، إلا أن النتائج التي أفضت إليها تؤكد على أن المزاد السياسي قد طال كل القضايا بما فيها ما كان يندرج ضمن القضايا الوطنية والسيادية التي تسمو فوق رهانات الربح والخسارة . كونها تستمد مشروعيتها من الإيمان بها و استعداد الشعوب لتقديم كل التضحيات من أجلها .
لكن عندما أستعرض مسلسل الأحداث التي شهدتها هذه القضية التي يعتبرها الشعب المغربي قضيته الأولى رغم أنها مطروحة في رفوف اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، وذلك نتيجة أخطاء فادحة للدبلوماسية المغربية في تدبيرها لهذا الملف خارجيا، و انفراد الدولة في تدببره داخليا مع كل الأخطاء التي رافقت هذا التدبير السيء الذي لم يستطع أن يطمئن بما يكفي مواطنينا الصحراويين، وبالتالي أن ينمي لديهم إحساس الانتماء للوطن الأم بإشراكهم الفعلي في تدبير شؤونهم ضمن خصوصياتهم الجهوية وفق آليات حكم ديمقراطية. بل حتى ما تم طرحه كمشروع حكم ذاتي لهذه الأقاليم بقي حبيس الرفوف لما يقارب العشرين سنة، و دون إن تعبر الدولة عن أي إرادة فعلية لإعماله عبر تشريعاتها و قوانينها. سواء من خلال الإصلاح الدستوري لسنة 2011 الذي أغفل أي إشارة لمقترح الحكم الذاتي، أو من خلال قانون إصلاح الأحزاب الذي منع تكوين أحزاب جهوية، و الذي تم التأكيد عليه دستوريا في التعديل الأخير. وهو ما يلغي الطرف الآخر المفاوض المتمثل في جبهة البوليزاريو ، الذي سد الطريق عليه عمليا حتى لا يتحول إلى حزب سياسي جهوي. كما سد الطريق أيضا على فعاليات سياسية صحراوية أخرى مؤمنة بانتمائها للوطن ضمن إطار الجهوية السياسية.
كل هذا زاد من تشكيك مواطنينا الصحراويين في مدى جدية مقترح الدولة المغربية، خاصة مع ما رافق هذا التدبير السيء من ممارسات تقليدية قائمة على استمالة الاعيان، وتوزيع الريع والامتيازات، بدل الاستفادة من التحولات التي شهدها النسيج الاجتماعي الصحراوي. الذي انتقل في معظمه من مجتمع رعوي قبلي، إلى مجتمع حضري لم تعد فيه التراتببة القبلية محددة للعلاقات الاجتماعية، والاعتماد على الشباب عبر إشراكهم في صياغة و تقرير السياسات العمومية الخاصة بجهتهم.
وعندما أستحضر حادثة الكركرات التي عملت عبرها جبهة البوليزاريو على إعادة إحياء الملف بعد سبات طويل استمر لعقود، مارس المغرب من خلالها سيادته على الصحراء بشكل سلس، رغم بعض الاحتجاجات المحلية التي تكون وراءها في الغالب أسباب موضوعية شأنها في ذلك شان باقي الاحتجاجات التي تعم التراب الوطني وذلك ضد التهميش والبطالة والفساد، الذي يعم مؤسسات الدولة في تدبيرها لقضايا الشأن المحلي رغم محاولة استغلالها من طرف بعض عناصر الجبهة من أجل الترويج للأطروحة الانفصالية . أجد أنه من غير المستبعد أن تكون القيادات النافذة في الجبهة قد طالها هي أيضا الريع الدولي، ودخلت عن سبق إصرار وترصد في خطوة استفزازية باحتلالها لهذه المنطقة الحدودبة دون ان تكون لها القدرة على الدفاع عن ما خططت له. بل فقط من أجل تدشين الحلقة الاولى لمخطط أمريكي اسرائيلي يتجاوز ما كان يعتبر بالنسبة لهم قضية “شعب محتل ” ليعانق استراتيجية امريكية مندمجة ضمن مشروع صفقة القرن.
أقول هذا، لأن سلسلة الأحداث المتسارعة التي أعقبت هذا الاستفزاز في معبر الكركرات التي تزامنت مع قرب انتهاء ولاية دونالد ترامب على رأس الادارة الامريكية. وذلك ابتداء بتدخل الجيش المغربي وما تلاه من حشد للجبهة الداخلبة المغربية من أجل خلق حالة إجماع سياسية ووطنية جديدة مؤيدة لتدخل الجيش المغربي. و مؤيدة ومرورا بتقاطر اعترافات ممالك الخليج بمغربية الصحراء وفتح قنصلياتها بها . جعلني اكثر حرصا في قراءة هذه المعطيات المتتالية. وتدفع بي كمتتبع موضوعي إلى وضعها في سياقها الإقليمي والدولي، ليس لأني ضد قضية اعتبرتها دوما ثابتة في مفهومي للوحدة الوطنية التي لا أراها من خارج مفهوم الدولة الديمقراطية المتعددة بجهاتها التاريخبة في اطار ما يمكن ان نسميه بدولة الاوطونميات الجهوية التي تعد ضمانة لتحصين الجبهة الداخلية وربح رهان الوحدة الوطنية . و ان ما طرحه المغرب من حل لملف جهة الصحراء الغربية المتمثل في مشروع الحكم الذاتي، يندرج شأنا ام أبينا ضمن هذا المفهوم المتطور للوحدة الوطنية والترابية التي تقر بالخصوصيات الجهوية، وتعتبرها ضرورية لاي مشروع تنموي وديمقراطي .
بل لأني أردت أن تستكمل جميع حلقات هذه التطورات المتسارعة حتى يكون باستطاعتي صياغة بعض الأسئلة التي لا امتلك أجوبة عنها حاليا. لكن ربما القادم من الأيام سيجعل الإجابة عليها أكثر وضوحا، ما دام سوق المزاد السياسي لم يعد يستثني حتى ما كان يصنف ضمن إطار القضايا العادلة للدول و الشعوب.
بالتالي فان ما سأطرحه من أسئلة هي فقط من اجل تفكيك هذه المتلازمة التي ربطت من خلالها الدولة والحكومة الوحدة الترابية بعملية التطبيع مع اسرائيل. وهل سيقف الامر عند هذا الحد ام هي مقدمة للانخراط في التحالف الخليجي الاسرائيلي الموجه ضد محور المقاومة؟.
– فهل كنا فعلا في حاجة لان تعترف امارات الخليج بمغربية الصحراء حتى نعزز مشروعية موقفنا من قضية يعتبرها جل المغاربة قضية وطنية بامتياز؟.وما هو المقابل الذي تطلبه هذه الامارات الخليجية الفاقدة للسيادة اصلا؟.
-هل يمكن اعتبار اعتراف امريكا/ ترامب بمغربية الصحراء عنصرا حاسما في تطور الملف دوليا هذا مع العلم ان هناك من الدول الدائمة العضوية في الامم المتحدة من اعتبر هذا الموقف منافيا للقانون الدولي؟ وذلك رغم الاهمية المعنوية لهذا الاعتراف من دولة عظمى.
-وهل سيكون لهذا الموقف استمرارية في الادارة الامريكية الجديدة التي التزمت بحفظ التوازن في علاقاتها الدولية ؟.وبالتالي ستعمل هذه الادارة على سحب ملف الصحراء من اللجنة الرابعة للامم المتحدة؟.وهل هذا ممكن فعلا؟ .
الا يمكن اعتبار قبول المغرب بوضع القضية الوطنية في بورصة المساومات السياسية سيعقد الامر اكثر، و يجعلنا عرضة للمزيد من الابتزازات ؟.
– واذا كنا اصحاب حق نمارسه عمليا على الارض بما نضخه من امكانيات اقتصادية وعسكرية في جهة اعتبرناها جزءا لا يتجزء من الوطن . فلماذا نضع انفسنا في موقع الابتزاز المؤدي لتطبيع العلاقات مع كيان غاصب لحق الشعب الفلسطيني ؟.
– بل حتى و ان اعتبرنا ان الدولة المغربية ارتأت الصواب في موقف التطبيع مع اسرائيل. فلماذا كل هذه المقدمات التي اتضح انها كانت فقط تروم الى التغطية والتمويه على موقف كان جاهزا سلفا، بما اعتبر نصرا دببلوماسيا وعسكريا وكأننا حررنا الصحراء للمرة الثانية!؟.ولماذا التلاعب بالضمير الجمعي لعموم الشعب المغربي الذي وجد.نفسه منشطرا بين موقفه المبدئي من وحدة أراضيه، وبين موقف التنصل من قضية لطالما اعتبرها قضية وطنية وإنسانية لما تمثله من معاناة لشعب يزخر تحت وطأة الاحتلال ومعانات مخيمات اللجوء والشتات؟.
الم تضع الدولة المغرببة بموقفها هذا كل من أخذته الحماسة من الوطنيين والمثقفين المغاربة بعد أن انساقوا وراء ما أعتبر فتوحات دبلوماسية في موقع الاختيار بين التطبيع مع اسرئيل او التخلي عن الدفاع عن وحدة الوطن؟ .
وبالتالي ألم يحن الوقت بعد للمثقفين وللارادات الحرة ان تجهر القول بان قوة مشروعية قضيتنا هي بقدر تضحياتنا. ولن نقبل أبدا بأن تصبح خاضعة لسوق النخاسة السياسبة التي يكون ثمنها التطبيع مع كيان غاصب لحقوق شعب آخر فلسطينيا كان أو غيره.
د.تدمري عبد الوهاب
طنجة: 12 دجنبر 2020































