التبريس: مريم الدمناتي وأحمد عصيد
غادرنا في وقت مبكر وبشكل مفاجئ ومؤلم لنا جميعا، الكاتب والمناضل الحسين الإدريسي وهو في عز عطائه ونشاطه الفكري والمدني، تاركا فراغا في فضاء الفكر الحرّ والديمقراطي الحديث ببلادنا. وأمام هذا المصاب الجلل لا نملك إلا أن نتقدم بأحر التعازي الصادقة لعائلته الصغيرة وللحركة الأمازيغية وللصف الديمقراطي عموما بالمغرب، والذي كان الفقيد واحدا من فرسانه الأكثر حماسا ونشاطا وصدقا.
قدّم الراحل للمغرب المعاصر من خلال عطائه الفكري ونشاطه المدني خدمات جُلّى، تتمثل أساسا في توضيح العديد من المفاهيم التي كانت غامضة في أذهان الشباب كمفاهيم الديمقراطية والمواطن والمواطنة والمجتمع المدني والحرية والمساواة والتعددية والتنوع، وهو ما عرّضه كغيره من المثقفين الحداثيين والديمقراطيين لهجوم شرس من القوى المحافظة التي جعلت من مدينة وجدة قلعة حصينة لها، واحتكرت الفضاءات الجامعية والعمومية، ومعتمدة على مصادر التمويل الخارجية والداخلية التي تسعى إلى الاستيلاء على الدولة وإفشال الانتقال نحو الديمقراطية بمعناها الكوني.
كان الحسين الإدريسي بما يحمله من تكوين معرفي يجمع بين الثقافة الأمازيغية الأصيلة وبين الثقافة الديمقراطية الحديثة، كاتبا يضع يده على مكامن الخلل في تدبير العديد من المرافق ومن بينها حقلان ملغومان يعرف الجميع مقدار الصعوبات التي كانت تعترض من يخوض فيهما، وهما تدبير التعددية الثقافية واللغوية وتدبيرالشأن الديني، هذا الأخير الذي ترامى عليه من سماهم بـ”المهربين الدينيين”، وكان في صراعه ضدّ أصنام التقليد والتطرف الشرقاني قويّ الحُجة عميق الفكرة شجاعا في قول الحق لا يخاف فيه لومة لائم. ونظرا لوعيه بغرابة الوعي القومي العربي وغرابة أنماط التدين الوهابية والأفغانية والإخوانية عن ثقافة المغرب وتدينه الوسطي العقلاني والواقعي، فقد ندر سنوات من عمره لكشف القناع عن التوجهات الرامية إلى تخريب وحدة المغرب وتفكيك روابطه العميقة عبر زرع بذرة المذاهب العرقية والدينية المنحرفة، الهادفة إلى التهييج والتحريض وخلط الأوراق واستغلال الدين في أمور لا علاقة لها بالإيمان الحق والتدين الصادق.
وقد وعى الفقيد منذ سنوات طويلة بالتهديد الذي تمثله الإسلام السياسي المؤدلج للتجربة الديمقراطية المغربية، فاختار طريقه بوضوح وإصرار رغم كل الصعوبات التي كانت تعترضه، وكان نجاح كتاباته في تحقيق أهدافها في التوعية والتأطير بارزا بفضل توفره على خاصيتين كان واعيا بهما ومدركا لأهميتهما، وهما بساطة التعبير واعتماد الأمثلة الأكثر تشخيصا للموضوع، مع إيراد التفاصيل والدقيقة التي تجعل القارئ أقرب إلى موضوع النقاش وأكثر استيعابا لأهدافه ورسائله.
وإذ نجدد التعبير عن تعازينا لعائلة الفقيد وأصدقائه وقرائه وكل الذين شاركوه درب النضال الطويل، وكذا الشكر لكل من بادر بتنظيم هذا اللقاء التأبيني للتذكير بعطائه وفضله، ندعو إلى العمل على طبع إنتاجاته الفكرية وجعلها في متناول قراء الأجيال القادمة، حتى يظل إسمه مخلدا في تاريخ الفكر التنويري المغربي .
عن المكتب التنفيذي































