في سياق تتبعي للردود التي عبر عنها بعض الأكاديميين والإعلاميين في كل من المغرب والجزائر حول تجاهل هذه الأخيرة للمبادرات المغرببة، كان لابد من الوقوف عند أهم عناوين هذه الردود التي عكست التوجهات الرسمية للدولتين نظرا لما سادها من ردود أفعال يلقي من خلالها كل طرف مسؤولية التصعيد على الطرف الآخر، وهو ما جعلها تحيد عن المعالجة الموضوعية للنزاع القائم بين البلدين، وتزيد من تأجيجه حسب ما أوردته جريدة ” الشروق الجزائرية ” نقلا عن مجلة الجيش التي وصف فيها المغرب بكل الصفات القدحية متغافلة، بقصد أو بدون قصد، وضع هذه المبادرات أو مبررات رفضها ضمن سياقاتها السياسية والتاريخية المتوترة بينهما وما يتنازع المنطقة من صراعات دولية فاقمت حدة التوتر بين البلدين الجارين ومنعت أي تقارب ممكن، رغم أن هذه المبادرات التي خصت الجزائر دون الجارة الشمالية إسبانيا التي تشهد توترا غير مسبوق في علاقاتها بالمغرب بعد استضافتها إبراهيم غالي، تعكس إرادة عاطفية ذاتية واعية بالمشترك التاريخي والثقافي بين الشعبين و بالمخاطر المترتبة عن أي مواجهة عسكرية بين البلدين، لكنها تفتقد للجرأة السياسية لمعالجة القضايا الخلافية بينهما وعاجزة عن مواجهة التيار الجارف في المنطقة الذي فرضه إنحياز البلدين إلى محورين دوليين متصادمين يتمثلان في كل من أمريكا وإسرائيل والجبهة الأطلسية كمحور يحاول الحفاظ على هيمنته المطلقة على العالم، وروسيا والصين وإيران كمحور ممانع صاعد يسعى لإقامة عالم جديد متعدد الأقطاب.
عندما قلت في خلاصة مقالي السابق إن المبادرات المغربية اتجاه الجزائر تبقى مجرد إعلان للنوايا الحسنة، نظرا لكون جميع المؤشرات كانت تدل على إحتمال تجاهل هذه الأخيرة للمقترحات المغربية، سواء ما تعلق منها بفتح الحدود أو تلك المتعلقة بالمساعدة في إخماد الحرائق بمنطقة تيزي وزو، في مقابل الترحيب بالمساعدة المقدمة من الجارة الشمالية إسبانيا وهو ما يحيلنا على طبيعة العلاقة الجيدة التي تجمع بين البلدين بعكس منسوب التوتر الذي يطغى على علاقاتهما بالمغرب. لكن السؤال المطروح هو لماذا يتقدم المغرب بهذه المقترحات التي كان من البديهي أن تلقى تجاهلا فجا من الطرف الآخر ؟ ولماذا تم تقديم مقترح فتح الحدود والحوار اتجاه الجزائر وليس إسبانيا أو كلاهما معا ما دامت هذه البلدان تشكل عمقا إستراتيجيا وأمنيا لبعضها البعض؟ ، وهل رفض هذه المبادرات جاء مرتبطا بمنهجية طرحها أم لطبيعة القضايا الخلافية العالقة والسياقات السياسية الدولية التي أتت في خضمها؟.
~ في منهجية طرح المبادرات :
جرت العادة في الأعراف الدبلوماسية بين الدول عندما تكون العلاقات البينية متوترة وتحضر الإرادة الفعلية لتصحيحها سواء بمبادرة من الطرفين أو من طرف واحد، أن تسبقها مجموعة من التحضيرات في الغرف المغلقة قبل الإعلان عنها، خاصة عندما تكون الخلافات عميقة ومعقدة كما هو الشأن بين المغرب والجزائر .كما أن الإعلان عنها عادة ما يكون عبر لقاءات قمة بين رئيسي الدولتين كتتويج لمسار طويل من المفاوضات السرية التي تذهب في إتجاه تذويب الخلافات وتقريب وجهات النظر في القضايا الخلافية .
لكن ما حدث بالنسبة للمبادرة المغربية رغم أهميتها انها ظلت معزولة ولم تحترم المنهجية المعروفة لحل هكذا خلافات، بل إنها أتت في سياقات سياسية إقليمية و دولية معاكسة وغير مساعدة لتقبلها، وهو ما حولها إلى مجرد إعلان حسن النية ليس إلا، وتجاهلها من طرف الجزائر كان أمرا عاديا لا يجب أن يحمل ما لا يحتمل.
~ في شان السياقات السياسية الإقليمية والدولية للمبادرات المغربية :
ما دمنا بصدد مناقشة المبادرات المغربية اتجاه الجزائر و تجاهل هذه الأخيرة لها، لابد من استحضار السياقات السياسية الإقليمية والدولية التي أتت فيها، حتى يتيسر فهم عدم استجابة الجزائر لها، والمتمثلة في طبيعة القضايا الخلافية بين البلدين الجارين، والتي يمكن إيجازها تاريخيا في إتفاق 1972 القاضي بتنازل المغرب للجزائر عن منطقتي تندوف وبشار اللتان اقتطعهما الإستعمار الفرنسي من التراب المغربي وضمهما للجزائر رسميا سنة 1950، في مقابل الإستغلال المشترك لمناجم الحديد من خلال فتح منفذ للجزائر عبر الأراضي المغربية إلى المحيط الأطلسي والإعتراف الجزائري بسيادة المغرب على صحرائه التي كانت لا تزال ترزح تحت الإحتلال الإسباني، وهو الموقف الذي أكد عليه الرئيس الجزائري بومدين في كلمته أثناء مؤتمر جامعة الدول العربية بالرباط سنة 1974، قبل أن تنقلب الجزائر عن هذه الإتفاقية باحتضانها سنة 1976 لجبهة البوليساريو المطالبة بانفصال الأقاليم الصحراوية وسحبها لموقفها المؤيد لمغربية الصحراء مع احتفاظها بالصحراء المغربية الشرقية.
إنها جوهر القضايا السيادية التي تعيق أي تطور طبيعي للعلاقات الثنائية بين البلدين، ومن أجل حلها لا بد من الرجوع الى الإتفاقية السابقة كأرضية لأي حوار مستقبلي، وفي حال تعقد الأمور واستحالة التوصل إلى الحل، فللمغرب كل الحق في اللجوء إلى القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية لترسيم حدوده الشرقية حسب الخرائط التاريخية التي يحتفظ بها الأرشيف الاستعماري الفرنسي لاسترداد حقوقه بشكل سلمي.
كما أن هذه المبادرات أتت كذلك في سياق دولي مشحون بالأعمال والتصريحات العدائية كنتيجة لانحيازهما لمحورين متصادمين ممثلبن في روسيا والصين بالنسبة للجزائر، وأمريكا وإسرائيل بالنسبة للمغرب ، وهي الأعمال التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية :
– تنكر الجزائر لاتفاقية 1972.
– الدعم اللامشروط للجزائر لجبهة البوليساريو الإنفصالية في الأقاليم الصحراوية.
– طرح المغرب أثناء إجتماع مجموعة دول عدم الإنحياز لمذكرة تطالب باستقلال منطقة القبائل الجزائرية كرد فعل على الموقف الجزائري المؤيد لاستقلال الصحراء الذي كان من نتائجه سحب الجزائر لسفيرها من الرباط.
– إجراء المغرب لمناورات عسكرية أطلسية بمحاذاة الحدود الجزائرية.
– تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية التي توجت بزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي للرباط التي هاجم من خلالها الجزائر لتقربها من إيران واعتبرها عنصر قلق في المنطقة خلال الندوة الصحفية المشتركة مع نظيره المغربي في محاولة منه لصب الزيت على النار ورد الصاع للجزائر التي عارضت منح إسرائيل صفة مراقب في الإتحاد الإفريقي، وذلك في تطاول على المشترك التاريخي والشعبي للبلدين الجارين .
في ظل كل هذه الظروف والسياقات والأعمال العدائية المتبادلة نتيجة تنصل الجزائر من إتفاقية 1972 و تصادم الأجندات الدولية على هذه المنطقة الجيو- ستراتيجية، كان من المتوقع جدا تجاهل أي مبادرة للدعم او لتطبيع العلاقات المغربية الجزائرية .
~ في طبيعة العلاقات الجزائرية الإسبانية :
قبل الحديث عن طبيعة هذه العلاقة، علينا التساؤل لماذا خص المغرب بمبادرته الجزائر دون إسبانيا، رغم أن طبيعة القضايا الخلافية بينهم متشابهة نسبيا والمصالح التجارية مع إسبانيا أكبر ؟ ، ولماذا قبلت الجزائر المساعدة في إطفاء الحرائق من إسبانيا في حين رفضت تلك المساعدة من طرف المغرب ؟.
على ضوء ما سبق فان المبادرات المغربية اتجاه الجزائر لم تكن تحكمها خلفية تصحيح العلاقات الثنائية، بقدر ما كانت لطمأنة الرأي العام الشعبي الرافض بطبعه لحالة التوتر المتزايدة في العلافة بين الشعبين الشقيقين من جهة وكذا من أجل تخفيف حالة الإحتقان التي وصلت إليها تلك العلاقات بعد سحب الجزائر لسفيرها احتجاحا على ما سبق ذكره واستعداد المغرب لاستقبال وزير الخارجية الإسرائيلي كشخصية سياسية نزاعية قد تفهمها الجزائر كعمل عدائي ضدها، وهو ما اتضح من خلال تصريح وزير خارجيتها في الرباط.
علاقة بما سبق يمكن القول إن البلدين لهم من الأسباب ما يكفي لتطوير علاقتهم وتوحيد سياساتهم اتجاه المغرب سواء في ما يخص دعمهم لجبهة البوليساريو كمحطة مشاغلة للمغرب، أو في ما يخص تقزيم دوره الإقليمي الذي لا ينظر إليه البلدين بعين الرضى خاصة إسبانيا المتضررة من انتفاء نفوذها الثقافي والاقتصادي في المغرب خاصة في المناطق التي كانت تحت حمايتها إبان المرحلة الاستعمارية وذلك لصالح الموروث الثقافي الفرنسي ومصالحه الإقتصادية، وكذا تضررها من موقعه كشريك متقدم للإتحاد الأوربي، مما يجعله منافسا قويا لمنتوجاتها الفلاحية لاعتبارات مرتبطة بتكلفة الإنتاج واليد العاملة الرخيصة، هذا بالإضافة الى تزايد حجم الإنفاق العسكري المغربي الذي قد يصل 20 مليار دولار في السنوات القليلة القادمة حسب تقرير معهد الأمن والثقافة الإسباني.
إن التقارب الحاصل بين البلدين يمكن إيعازه إلى تطابق الرأى عند كل من الجزائر و إسبانيا اللتان لا تنظران بعين الرضى للخطوات التي أقدم عليها المغرب في المنطقة بعد انحيازه الصريح لأمريكا وإسرائيل ودخول هذه الأخيرة على خط النزاع المغربي الجزائري بعد أن سبق لها أن دخلت على خط التوتر بين مدريد وكاتالونيا ودعمها الشبه العلني لحركة الإنفصال في الإقليم سنة 2017 كرد فعل على المواقف المؤيدة للقضية الفلسطينية من طرف حكومات مدريد المتعاقبة.
في المجمل يمكن القول كخلاصة أن المدخل الغربي للمتوسط وإفريقيا أصبح كرقعة شطرنج تتداخل فيها المصالح الخاصة لدول المنطقة بالأجندات الدولية المتمثلة في صراع المحاور على المناطق الجيو – ستراتيجية والممرات المائية الأساسية للتجارة الدولية. لكن فقط على دول المنطقة أن تمانع في كل ما يمكن أن يهدد الأمن الداخلي لبعضها البعض عبر إتباع سياسة الإحترام المتبادل وحل خلافاتهم البينية بما يخدم مصالحهم الإقتصادية المشتركة، لأن أي تهديد للأمن بهذه الدول ستتداعى تبعاته على أمن كل المنطقة، وبالتالي فإن على هذه الدول ورغم انتمائها لمحاور متصارعة أن تتجنب استيراد الأزمات الدولية إلى منطقتها، وهو ما كان ليشكل ميثاق عمل مشترك ملزم لبعضها البعض لو استشعرت هذه الدول فعلا المخاطر التي تتهددها جميعا وعملت على حل نزاعاتها وفق رؤية إستراتيجية تحفظ مصالحها المشتركة يتوج لقاء قمة ثلاثية.
د.تدمري عبد الوهاب
طنجة في 17 غشت2012































