مازال نزيف هجرة مراكب صيد السردين مستمرا منذ مدة ليست بالقصيرة، وهو ما يضع ميناء الحسيمة كمستورد للأسماك السطحية من باقي موانئ المغرب، بعد أن كان أهم المصدرين خلال السنوات العشر الماضية، مع ما يعنيه ذلك من خلق دينامية في الرواج التجاري والتشغيل والمساهمة في تنمية المنطقة، وحسب مصدر فإنه لم يتبقى من المراكب بالميناء سوى ثمانية منها من أصل أزيد من عشرين مركبا للصيد تم بيعه خارج الحسيمة أو هاجر قسريا.
وكان ميناء الحسيمة خلال سنوات الثمانينيات والتسعينيات يضم أزيد من 50 مركبا لصيد الأسماك السطحية، وهي سنوات الذروة التي كان فيها هذا الميناء يسجل أهم الأرقام في مفرغات الأسماك في المغرب، ويساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية للمنطقة الهشة أصلا، قبل أن يرجع القهقرى بعد تسجيل تناقص حاد في مصطادات الأسماك السطحية خلال السنوات العشر الماضية، وانتشار موسع لحوت ” النيكرو ” ( الدلفين الكبير ) على مستوى السواحل القريبة من ميناء الحسيمة، ما دفع مراكب الصيد للهجرة القسرية باتجاه موانئ أخرى، أو عرضت للبيع خارج الحسيمة، حيث العديد من المهنيين حولوا استثماراتهم من البحر لقطاعات أخرى مضمونة أرباحها.
وحسب متتبعين للقطاع فإن “الافلاس أصبح يهدد هذه الوحدة الانتاجية المهمة التي تساهم في التشغيل بالمنطقة، كما أن تجار الأسماك السطحية بدورهم أصبحوا يفكرون في النزوح باتجاه موانئ أخرى بحثا عن رزقهم، بعد أن أعياهم انتظار حلول من السلطات ووزارة الصيد لمشاكل الميناء التي يعتبر تكاثر “النيكرو” المطرد واحدا منها”.
وكان ميناء الحسيمة قد توصل يوم السبت 27 يونيو 2020، بالنسخة الثانية من شبكة سينية داعمة وأكثر فعالية في ردع هجومات النيكرو، لتجريبها على متن مراكب صيد الأسماك السطحية التي تقل حمولتها على 60 طنا، وهي الشبكة التي تنتجها إحدى الشركات الفرنسية. وأشرف المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري على هذه العملية التي ترمي لإيجاد الحلول الكفيلة لوضع حد لمعاناة البحارة والمجهزين، من هجومات الدلفين الكبير ” النيكرو “، الذي يلحق خسائر مادية فادحة بالشباك ويفرغها من محصول الصيد.
غير أن النسخة الثانية من هذه الشباك الداعمة – المتينة، ورغم تجريبها بميناء الحسيمة وموانئ أخرى بالشمال تعرف هذه الظاهرة، أبانت مجددا عن عدم فعاليتها وضعفها في ردع ” النيكرو “، ولم تستطع الحفاظ على محصول الصيد أمام تعنت هذا الحوت ومتانة أسنانه التي يمزق بها هذه الشباك مخلفا ثقوبا كبيرة بها تشكل مخرجا ومهربا للأسماك، فرغم أن رحلة هذه المراكب غالبا ما تكون بيضاء وبدون محصول يذكر، إلا أنها تكون كذلك مصحوبة بخسائر مادية كبيرة بسبب هجمات هذا الحوت تقتطع من شقاء البحارة المنعدم أصلا.
ويعيش حوت ” النيكرو ” واسمه العلمي ” الدلفين الكبير ” بشكل كبير بالسواحل المتوسطية بين الناظور والحسيمة والمضيق، وقد تكاثر بشكل كبير خلال السنين الأخيرة، بشكل أصبح يهدد نشاط صيد الأسماك السطحية، وفرض الهجرة القسرية على مراكب الصيد بالموانئ المذكورة باتجاه موانئ أطلسية.
وينتظر بحارة ميناء الحسيمة ومعهم بحارة باقي موانئ الشمال من وزير الصيد الجديد إيجاد الحلول العاجلة للمشاكل التي يشكوا منها قطاع الصيد البحري بموانئ الشمال بصفة عامة وميناء الحسيمة بصفة خاصة، والتي يوجد على رأسها تراجع مصطادات الأسماك السطحية وتفشي ظاهرة الدلفين الكبير ( النيكرو ) المحمي بموجب اتفاقيات دولية والصيد الجائر، وغياب الاستدامة في تدبير الموارد البحرية والوضعية الهشة التي بات يعيشها البحارة الذين أصبح عدد كبير منهم خارج التغطية الاجتماعية والصحية.
خالد الزيتوني.
































