صدر حديثا للدكتور رفيق الغازي كتاب جديد بـعنوان “النخبة الفقهية المتنسبة لبلاد الريف خلال العصر الوسيط – دراسة بروسوبوغرافية تاريخية”، يتناول من خلاله مسارات الفقهاء ببلاد الريف وسياقات حضورهم العلمي والاجتماعي والسياسي خلال العصر الوسيط. ويسعى المؤلف إلى تقديم قراءة تاريخية وجغرافية لمسالك هؤلاء الفقهاء، واستقصاء أدوارهم داخل النسيج المجتمعي، من خلال مقاربة تجمع بين التتبع التاريخي والتحليل الجماعي للسير.
ويعتمد الكتاب، حسب تقديم الدكتور محمد الغرايب، منهجا بروسوبوغرافيًا يقوم على دراسة جماعية لسير الفقهاء، بما يسمح بتفكيك شبكاتهم العلمية ومساراتهم المعرفية والعملية. ففي الباب الأول، يتوقف المؤلف عند الجذور التاريخية والجغرافية للظاهرة الفقهية بالريف، بدءًا من تأصيل الظاهرة الدينية عند الأمازيغ، مرورًا ببدايات الفقه في المنطقة، ورسم خرائط الأصول العلمية ورحلات التحصيل، وصولًا إلى ملامح الحياة العلمية والروحية للفقهاء، بما يشمل الإجازة والمراتب العلمية والتصوف والزهد.
وحسب نفس التقديم فالباب الثاني يرصد تقاطعات حياة الفقهاء بين الوظائف الرسمية والإنتاج العلمي والعمل السياسي، من خلال تتبع أدوارهم في القضاء والإفتاء والمشاورة وعقد الشروط، إلى جانب مهام الإمامة والخطابة. كما يتناول حضورهم في الحقل الفكري والأدبي، وعلاقتهم بالسلطة السياسية بين التوافق والتنافر، بما يعكس موقعهم المحوري داخل البنية السياسية والاجتماعية للعصر الوسيط.
ويضيف الدكتور الغرايب أن الباحث ينتقل في الفصل الثالث إلى دراسة حضور الفقهاء في الواقع الاقتصادي والاجتماعي، من خلال تحليل مواردهم الاقتصادية، وفتاواهم المرتبطة بالأحباس والمعاملات، وتفاعلهم مع قضايا الأسرة والعلاقات الاجتماعية. كما يتناول معالجة النوازل التي تمس الأيتام والجرائم والعادات المحلية، إلى جانب رصد نهايات الفقهاء ومصائرهم داخل المجال الريفي.
ويخلص الكتاب، من خلال هذا البناء المتكامل، إلى تقديم صورة شاملة عن دور الفقهاء في بلاد الريف، باعتبارهم فاعلين أساسيين في تشكيل الوعي الجمعي، وحراسا لقيم الدين، ومشاركين في صناعة القرار الاجتماعي والسياسي، في تفاعل دائم مع التحولات التي عرفتها المنطقة خلال العصر الوسيط. ويأتي هذا العمل ليعزز رصيد الدراسات التاريخية حول الريف، ويفتح آفاقًا جديدة للبحث في تاريخ النخب الدينية بالمغرب.































