الغبزوري السكناوي
مع اقتراب أذان المغرب، لا يكون العطش وحده سيد اللحظة. في الأسواق والأحياء الشعبية تتشكل دورة اقتصادية كاملة لا تعيش إلا في هذا الشهر. يتبدل إيقاع المدينة، وتعاد صياغة أولويات الشراء، وتظهر مهن موسمية لا تكاد تُرى خارج رمضان. هنا لا يتعلق الأمر فقط بطقس ديني يومي، بل بسوق يعيد ترتيب نفسه كل مساء في سباق صامت مع الزمن، حيث تتحول دقائق ما قبل الإفطار إلى لحظة حاسمة في حسابات الربح والخسارة.
قبل المغرب بساعتين، يبدأ المشهد في التحول التدريجي. طاولات صغيرة تُنصب على عجل، وصناديق تمر تُفتح، وأكياس حلويات تُرص بعناية، فيما يضاعف الخباز التقليدي إنتاجه تحسبا لساعة الذروة. يعرف الجميع أن “الوقت الذهبي” يبدأ حين يكتشف كثيرون أن مائدة الإفطار ينقصها خبز أو تمر أو حساء جاهز. القرارات تُتخذ بسرعة، والزبون يشتري على عجل، لأن المسافة بين الرغبة والحاجة تختصرها لحظة عطش جماعية.
هذا الاقتصاد لا يحتمل التردد أو البطء. بائع العصير، وبائع الحريرة الجاهزة، وبائع البيض المسلوق، يشتغلون داخل نافذة زمنية ضيقة تمتد من العصر إلى الأذان فقط. الطلب يرتفع فجأة ثم ينخفض فجأة، والأرباح ترتبط بحسن تقدير الكمية والتوقيت. إنهم يراهنون على استعجال الزبائن وعلى رغبتهم في تعويض ما فات قبل لحظة الإفطار، حيث يتحول الوقت إلى عنصر حاسم في تحديد قيمة السلعة ومكانتها.
رمضان لا يرفع استهلاك الطعام فحسب، بل يضاعف الحاجة إلى النار. موزع قنينات الغاز، باىع الفحم والخشب في البوادي، وصاحب الفرن البلدي، يجدون أنفسهم في قلب معادلة يومية تتكرر ثلاثين مرة. مائدة الإفطار تحتاج إلى حرارة مكثفة في زمن قصير، ما يجعل الطلب يرتفع قبيل المغرب بساعات. النار هنا ليست مجرد وسيلة طهي، بل عنصر اقتصادي فعلي، تتحكم في وتيرة العمل وتحدد حجم المبيعات في لحظة واحدة.
حتى من يشوون السمك في الشارع أو يعدون الخبز، الحرشة، البغرير والمسمن الساخن… يدركون أن الرهان الأكبر هو التوقيت. الزبون يريد طعاما طازجا قبل الأذان بدقائق، ما يفرض ضغطا إضافيا على المنتجين الصغار. أي تأخير قد يعني خسارة زبون، وأي نقص في الكمية قد يعني ضياع فرصة ربح. هكذا يتحول الإنتاج إلى سباق يومي مع عقارب الساعة، حيث تُختزل دورة كاملة في ساعات معدودة لا تقبل الخطأ.
كثير من هذه المهن يختفي بانتهاء الشهر. شباب يعرضون خدمات نقل سريعة، وباعة موسميون يستثمرون مدخرات بسيطة في سلع مطلوبة، ونساء يبعن حلويات منزلية داخل الأحياء. الأرباح قد تبدو مشجعة في بعض الأيام، لكنها تظل مرتبطة بتقلبات القدرة الشرائية وبشدة المنافسة. “اقتصاد العطش” يمنح متنفسا مؤقتا، لكنه لا يضمن استقرارا دائما لمن يشتغلون داخله.
ما يحدث قبيل الإفطار ليس مجرد حركة تجارية عابرة، بل مرآة لتحولات أوسع في المجتمع. ارتفاع الأسعار، وتغير أنماط الاستهلاك، وحضور المنتجات الجاهزة بدل التحضير المنزلي، كلها مؤشرات على سوق يعيد تعريف نفسه كل عام. يعلو الأذان، فتختفي الطاولات كما ظهرت، وتتوقف الدورة اليومية إلى الغد، حيث سيعود المشهد ذاته: سباق مع الزمن، وعطش يتحول كل مساء إلى اقتصاد موسمي كامل.






























