صدر للإعلامي والباحث إدريس عدو مؤلفا جديدا بعنوان “الأزمات وتقلبات الواقع في العلاقات المغربية الإسبانية”، يسلط فيه الضوء على كيفية تعاطي الإعلام الإسباني مع القضايا المرتبطة بالمغرب، خصوصا خلال لحظات التوتر الدبلوماسي بين البلدين. ويقع الكتاب في نحو 170 صفحة من الحجم المتوسط، ويعتمد مقاربة تحليلية تقوم على تفكيك نماذج من الصحافة الرقمية الإسبانية التي واكبت ملفات الدبلوماسية وقضية الصحراء المغربية، في محاولة لرصد آليات بناء الخطاب الإعلامي وصناعة المواقف داخل وسائل الإعلام.
ويؤكد الكاتب والأديب والسفير السابق عبد القادر الشاوي، في تقديمه للعمل، أن هذا المؤلف يندرج ضمن الدراسات الجادة التي تتناول الإعلام الإسباني من زاوية تحليلية ونقدية تجمع بين الرؤية الأكاديمية واستحضار السياقات السياسية والتاريخية. ويرى الشاوي أن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في توصيف الخطاب الإعلامي، بل في سعيه إلى تفكيك بنيته الداخلية وتحليل الكيفية التي يعالج بها الإعلام الإسباني قضايا المغرب خلال فترات الأزمات التي طبعت العلاقات الثنائية عبر مراحل مختلفة.
ويبرز التقديم أن المؤلف نجح في الجمع بين التأصيل النظري والتحليل التطبيقي، من خلال اعتماد نماذج إعلامية مختارة بعناية، وهو ما يمنح الدراسة مصداقية علمية وقيمة معرفية واضحة. كما يتوقف العمل عند طبيعة اشتغال الإعلام الإسباني في تعاطيه مع القضايا المرتبطة بالمغرب، ولا سيما قضية الصحراء، مبرزا كيف تتشكل المواقف والتصورات داخل الخطاب الإعلامي بتأثير السياقات السياسية والمصالح المتقاطعة، الأمر الذي يتيح فهما أدق لبعض آليات تأثير الإعلام في تشكيل الرأي العام وفي دوائر صناعة القرار.
ويخصص المؤلف حيزا مهما لتحليل التغطية الإعلامية للأزمة التي اندلعت سنة 2021 عقب دخول زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي إلى إسبانيا بهوية مزورة قصد العلاج،, وهي الواقعة التي تسببت في توتر دبلوماسي حاد بين الرباط ومدريد. ويشير إدريس عدو إلى أن وسائل الإعلام الإسبانية تعاملت مع هذا الحدث بكثافة لافتة، غير أن المعالجة الإعلامية اتسمت في أحيان كثيرة بعدم التوازن، بما عكس طبيعة التوتر السياسي بين البلدين، كما كشف في الآن ذاته عن تباين واضح في الخطوط التحريرية والتوجهات الإيديولوجية للمؤسسات الإعلامية.
ويتوقف الكتاب أيضا عند التحول الذي عرفه الموقف الإسباني من قضية الصحراء سنة 2022، حين أعلنت مدريد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب باعتبارها أساسا جديا وواقعيا وذو مصداقية لتسوية هذا النزاع. ويعد هذا الموقف، بحسب المؤلف، تحولًا بارزًا في السياسة الخارجية الإسبانية بعد عقود من الحياد النسبي، وقد أثار نقاشات سياسية وإعلامية واسعة شكلت مادة تحليلية غنية لدراسة خطاب وسائل الإعلام الإسبانية خلال تلك المرحلة المفصلية.
ويخلص إدريس عدو، اعتمادا على تقنيات تحليل الخطاب الإعلامي ودراسة نماذج من الصحافة الرقمية الإسبانية، إلى أن التغطية الإعلامية للأزمات بين المغرب وإسبانيا تتسم بتباين ملحوظ في الخطاب والمواقف. ويرجع ذلك إلى تنوع المشهد الإعلامي في إسبانيا واختلاف أجندات المؤسسات الصحافية وخطوطها التحريرية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على طبيعة المعالجة الصحافية للقضايا المرتبطة بالمغرب. ويأتي هذا الإصدار ليشكل إضافة نوعية للمكتبة الإعلامية المغربية والعربية، خاصة لفائدة الطلبة والباحثين والمهنيين المهتمين بدراسة الإعلام والعلاقات المغربية الإسبانية.































