صدر مؤخرا للأستاذ عمر لمعلم كتاب جديد بعنوان “الأمثال والأقوال المأثورة بالريف: توثيق، دراسة وتحليل”، يقدم من خلاله مادة مصدرية تعد خلاصة عمل بحثي استغرق أزيد من خمس سنوات من الاشتغال الميداني والتحصيل العلمي، حيث انكب المؤلف خلال هذه المدة على تجميع الأمثال من منابعها الأصلية، مستندا إلى مقابلات ومعايشات مباشرة، قبل أن يعمل على توثيقها وضبط صيغها، وترجمتها، وربطها بسياقاتها الثقافية والاجتماعية، بما يمنح هذا العمل قيمة توثيقية وعلمية مضاعفة.
الكتاب، الصادر عن دار النشر سليكي أخوين بطنجة، والمقدّم من طرف الأستاذ عبد الحميد عزوزي، يقع في 292 صفحة من القطع المتوسط، ويضم 540 مثلًا وقولًا مأثورا، جمعت بعناية ودقة. ويعد هذا الإصدار، بحسب قراءة سعيد العشير، إضافة نوعية إلى حقل الدراسات الثقافية، إذ يفتح آفاقا واعدة لاستثمار هذا الرصيد في فهم أنثروبولوجيا الثقافة بالريف، حيث تختزن الأمثال في بنيتها اللغوية المكثفة – وأحيانا المشفرة- أنساقا من القيم والتمثلات والمرجعيات التي تعكس عمق التجربة الجماعية للمجتمع الريفي.
وفي تمهيده، عمل المؤلف على تأطير مفهوم “المثل” من خلال تحديد تعريفاته المتعددة، واستعراض أنواعه وموضوعاته ووظائفه التداولية، مستندا إلى مقاربات لغوية وأنثروبولوجية. ثم انتقل إلى محور الأمثال بالريف، حيث بسط منهجية جمعها ميدانيا، وبين الصعوبات المرتبطة بتدوين الموروث الشفهي، قبل أن يعرض طريقة كتابتها وترجمتها إلى العربية، مرفقة بشروح دقيقة تكشف مضامينها، وتحدد سياقات إنتاجها، وتبرز دواعي استعمالها داخل النسيج الاجتماعي والثقافي.
واعتمد المؤلف في تصنيف مادته منهجا موضوعيا واضح المعالم، إذ استهل بحثه بالأمثال التي تخلو من توظيف الرموز الحيوانية أو النباتية أو الجمادية، قبل أن ينتقل إلى الأمثال التي تستحضر هذه الرموز وفق ترتيب دلالي يعكس بنيتها الرمزية. كما أفرد حيزا مهما لشرح كيفية قراءة الكلمات الريفية، سواء باستعمال الحرف اللاتيني أو العربي، بما يسهم في تقريب هذا المتن من القراء والباحثين على حد سواء، ويعزز قابلية تداوله وفهمه خارج مجاله التداولي الأصلي.
وفي تقديمه للكتاب، أبرز عبد المجيد عزوزي المكانة المحورية التي تحتلها الأمثال ضمن التراث اللامادي الشفهي، باعتبارها وعاء للذاكرة الجماعية وأداة لصياغة الحكمة الشعبية وتداولها عبر الأجيال. وأكد أن هذا العمل يشكل مساهمة نوعية في صون هذا التراث من الاندثار، وفي تعميق فهم سياقات إنتاجه واستعماله، فضلا عن تفكيك ما يحمله من دلالات رمزية ومجازية تعكس رؤية المجتمع لذاته وللعالم من حوله.
ويرى مهتمون بالشأن الثقافي أن هذا الإصدار يندرج ضمن دينامية متنامية تهدف إلى تعزيز رصيد التوثيق والبحث العلمي في مجال الأمثال الشعبية بالريف، حيث يلتحق بسلسلة من الأعمال والدراسات التي أنجزها باحثون مغاربة، من بينهم الدكتور أحمدو بويلماني، الدكتورة سعاد مضيان، الدكتور ميمون حمداوي، إدريس أزضوض، محمد ميرة، وحسن الموساوي. كما يتقاطع مع عدد من الأطروحات الجامعية والمقالات الأكاديمية التي أسهمت في إضاءة هذا الحقل المعرفي، بما يعزز حضوره داخل النقاش العلمي ويكرس قيمته ضمن الدراسات الثقافية والأنثروبولوجية.































