صدر مؤخرا للباحث الدكتور الطيب أجزول مؤلف جديد يتناول تاريخ مدينة تطوان خلال القرن التاسع عشر، بعنوان “تطوان في زمن احتلالها الأول وما بعده (1860–1864): من خلال الوثائق المخزنية والعائلية وشهادات إسبانية وفرنسية”. ويأتي هذا العمل في سياق الاهتمام المتنامي بالتاريخ المحلي، حيث يقدم دراسة موثقة تستند إلى مصادر متنوعة تجمع بين الأرشيف الرسمي والروايات العائلية والشهادات الأجنبية. وقد صدر الكتاب عن منشورات باب الحكمة بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، في 492 صفحة موزعة على جزأين متكاملين، ما يعكس حجم الجهد البحثي المبذول في إنجازه.
ويستعرض المؤلف في هذا العمل مرحلة دقيقة من تاريخ تطوان، تميزت بالاحتلال الإسباني للمدينة ما بين سنتي 1860 و1862، قبل أن تستعيد الدولة المغربية سيادتها عليها خلال الفترة الممتدة بين 1862 و1864. ويعتمد الكتاب على رصيد وثائقي غني يضم وثائق مخزنية وعائلية نادرة، إلى جانب شهادات إسبانية وفرنسية، بهدف تقديم قراءة دقيقة للتحولات التي مست البنيات الإدارية والعمرانية والاجتماعية والدينية. ويتيح هذا التنوع في المصادر بناء رؤية مركبة توازن بين الرواية الرسمية والذاكرة المحلية والتمثلات الأجنبية للمدينة.
وفي الجزء الأول، يركز المؤلف على أوضاع المدينة خلال فترة الاحتلال الإسباني، متتبعًا الإجراءات التي اتخذها الجيش الإسباني عند دخوله، وما رافق ذلك من تغييرات عمرانية وإعادة تنظيم للمجال الحضري، فضلا عن استكمال المنشآت الدفاعية تحسبا لأي تهديد محتمل. كما يرصد هذا الجزء أبرز “الإنجازات” التي أدخلها الإسبان إلى المدينة لأول مرة، مع تتبع مآلاتها بعد انسحابهم، مبرزا التأثيرات المباشرة للاحتلال على السكان وعلى البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
أما الجزء الثاني، فينصرف إلى تحليل المرحلة التي أعقبت استعادة السيادة المغربية، حيث يتناول تدابير إعادة تنظيم المدينة، من خلال تعيين الولاة، وعودة السكان إلى منازلهم، وتعزيز الأمن بواسطة القوات المخزنية. كما يتوقف عند جهود معالجة أزمة تموين القمح، وتنمية مداخيل بيت المال، وضبط العملة، إلى جانب إصلاح المساجد وأملاك الأحباس، ودعم الأنشطة التجارية، وتنظيم أوضاع الجاليات اليهودية والإسبانية المقيمة بالمدينة، في إطار سعي شامل لإعادة التوازن إلى الحياة العامة.
ويسلط الكتاب، بحسب المؤلف، الضوء على الأدوار التي اضطلعت بها الدولة المغربية في إعادة الاستقرار وتدبير الشأن المحلي، مع إبراز دور السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن، وقائد المدينة الحاج عبد القادر أشعاش، في تنظيم شؤون تطوان بعد مرحلة الاحتلال. ويعكس هذا المعطى، كما يبرز العمل، مستوى التنسيق بين السلطة المركزية والسلطات المحلية، بما أسهم في استعادة انتظام الحياة اليومية وضمان استمرارية المرافق والخدمات داخل المدينة.
ويعزز المؤلف دراسته بإدراج مجموعة من الوثائق والصور النادرة، إلى جانب رسوم توضيحية وجداول مبوبة، فضلا عن ملحق خاص يضم نصوص المراسلات المخزنية المرتبطة بتدبير الشأن المحلي في مرحلة ما بعد الاحتلال. وتوفر هذه المادة التوثيقية رصيدا علميا مهما للباحثين، إذ تفتح إمكانيات متعددة لدراسة هذه الحقبة من زوايا تاريخية وإدارية واجتماعية واقتصادية، بما يسهم في تعميق فهم التحولات التي عرفتها تطوان خلال هذه المرحلة المفصلية من تاريخها.































