رنين وصفير، أبواق السيارات تصم الآذان، أوراق بجميع ألوان الطيف وبمقاسات متنوعة تحمل رموزا مختلفة تتناثر على الأرض، نهرول ونتسابق نحن الأطفال ببراءتنا لنجمع اكبر عدد ممكن، لم نكن نعي وقتها ما الذي يدور من حولنا، اهو عيد من نوع أخر أم احتفال خاص؟
أهازيج و شعارات ترفع وحناجر تمجد في بعض الأسماء؛ الحموداني السعدي البوهالي وغيرها، قوافل سيارات لم يسبق لنا وان رأينا مثلها تدخل لمركز الجماعة تباعا، جمع غفير من الناس يتحلق ليستمع بإمعان لزعيم كل فريق على حدا، يردد الزعيم كلماته فتنطلق التصفيقات وترفع الشعارات آذنة بانتصار قريب، من يكونون يا ترى ولماذا يصفق لهم الناس؟ نتساءل ببراءة لعلنا نجد جوابا يشفي غليلنا الطفولي،
أسئلة وأخرى لم نجد لها جوابا شافيا آنذاك رغم محاولات البعض لتقديم شروحات في الموضوع، السياسة, الأحزاب, البرلمان, والتصويت، كلمات نسمعها لأول مرة، ولم نكن نعلم أن الأمر كله يتعلق بمسرحية تحت عنوان “الانتخابات التشريعية” الكل فيها يسابق الزمن ويرصد كل الإمكانيات ليتمكن من ولوج المسرح الكبير بالعاصمة المسمى قبة البرلمان،
يستمر العرض ويحاول فيه كل ممثل إتقان دوره، وعود بالجملة وتصفيقات وزغاريد، يصعد الحاج علي فوق سطح سيارة المرسديس 207 حاملا مكبر الصوت بين يديه ويبدأ في مدح المرشح الذي يدعمه، الحاج علي كلمته مسموعة في دواره لذا قصده صاحبنا ليشاركه في دوره التمثلي في مسرحية الوعود، رغم جهله بغياهب السياسة إلا انه لا يتوانى في تذكير الناس بالملاك القادم من بعيد والذي يحمل اللون البنفسجي ويطلق العنان لحنجرته مرددا: البنفسجي فالصندوق بلا دجاج بلا برقوق..
لم أكن اعرف أن المظاهر التي أراها أمامي تعتبر رشوة ولا السكان يعترفون بذلك فمن منظورهم المرشح الذي سيقدم خدمة للقرية هو الذي سيحظى بالرضا، طاقة شمسية لشراء شيوخ الدوار وكرة من نوع ميكازا لشراء أصوات الشباب، أشياء بسيطة لكنها تشتري اصواتا بالجملة.
يتقدم عبد الصمد نحو السيارة الرباعية الدفع لاحد الممثلين/المترشحين ويلقي التحية قبل أن يدخل في نقاش ويعرض مطالبه ليلتحق به باقي الشباب لدعمه ومؤازرته في مفاوضاته الحامية الوطيس,
–أش حب الخاطر أوليدي، يقول المرشح
–بغينا غي 2 كواري والتونيات الى بغيتي نصوتو عليك
الله أودي تستاهلو كتر ولكن غانجيبه ليكم غي كورة وحدة السوق الماجي وداكشي لاخر من بعد مايساليو الانتخابات
يعود عبد الصمد ومن معه مبتسمين فرحين وكأنهم حققوا الفتح المبين، ليقصدوا سيارة أخرى لمرشح أخر، ربما فهموا اللعبة لذا تراهم يفاوضون كل المرشحين ليكسبوا أكثر وأكثر.أما رجال الدوار فمنهمكون بعد الاستماع لخطب الزعماء –منهمكون– في اجتماع مع احدهم يتقدمهم فقيه المسجد، الدوار يقدم على إعادة بناء المسجد لهذا كل مطالبهم مرتبطة بهذا الموضوع،
–بغينا الطاقة الشمسية للجامع يقول الفقيه
–ان شاء الله ولكن أصوت عليا الدوار كامل رجال وعيالات
–كن هاني اسيدي ماتخافش كلشي ديالك
تمت كل الاتفاقات وراح كل لحال سبيله وجاء يوم الحسم حيث سيتوجه الجميع لمكاتب التصويت، الدوار كله اختار لونه المفضل، لا ينسى احد من الرجال أن يوصي زوجته ويتأكد من أنها تعرف الورقة التي يجب ان تضعها في الصندوق حق المعرفة،
ظهرت النتائج أخيرا، كل أصوات الدوار لصالح المرشح صاحب الطاقة الشمسية إلا الأصوات الخمسة التي شكلت الاستثناء، وأصبحت موضوع كل النقاشات في الدوار، لم يكن احد يعرف هوية أصحابها، ويتمنى البعض الأخر لو يتمكن من التأكد من هوية الخائن الجبان، فيم ذهب آخرون لتصفية حساباتهم باتهام أعدائهم بالخيانة العظمى.
انتهى العرض واكتملت فصول المسرحية وعاد كل إلى حال سبيله، قيل فاز فلان وفلان ولم يتمكن علان من الانتصار، بقي السكان كما هم؛ مرت الخمس سنوات علي العرض الأول ليأتي موعد العرض الثاني بنفس الوجوه ونفس لاماني والمتمنيات ونفس الوعود الوردية. لم يتغير شيء، القبيلة كما تركوها منذ العرض الأول، الطريق لا زالت غير معبدة، الكهرباء غير موجودة، مدرسة ابتدائية هنا وأخرى على بعد كيلومترات.
يعود نفس الممثل ليلقي نفس الخطاب، ونفس الوعود وتصفق له نفس الوجوه وتهلل باسمه،جولة جديدة لنجوم المسرحية لكن بأوراق اعتماد جديدة ونمط اقتراع جديد، غيروا التصويت للأشخاص باللائحة فازداد عدد الممثلين الفاشلين، الكل يحث الناس على تذكر رمزه، الغزالة، الفيل، الحصان، الشجرة والوردة وكأنها حديقة حيوانات متنقلة.
لا وجود لكرات ولا طاقة شمسية هذه المرة، كل شيء مر في الخفاء وتداولت الأخبار عن رواج مبالغ مالية خيالية،ذبحت الخرفان والأبقار وأقيمت الولائم ودخل بارونات المخدرات على الخط بشكل واضح بعدما كانوا يتخفون في السابق, المفاجئة أن جل الأصوات ستلغى، كيف لسيدة لم يسبق لها أن حملت القلم أن تستعمله في هذا الوقت، ضروري وأنها ستتجاوز الإطار المحدد بعد أن ينزلق من بين أصابعها وكأنه يرفض وان يذعن لرغبات الممثلين.
دخل عمر طاباكو بائع السجائر الذي عاش أيام زاهية في مدريد للمعزل، وضع اللائحة المزركشة أمامه وبدا ينظر بإمعان قبل أن يختار رمز السيارة، توجه للصندوق بخطى متثاقلة تظهر مفعول الزمن على جسده النحيل؛ رفع يديه للسماء طالبا من الله ان يحقق أمنيته بامتلاك سيارة بعد ان انقلب الزمن من خلفه وقذف به إلى هامش التاريخ, يبيع السجائر ويروي النكت وقصص المغامرات التي كان بطلها في المهجر. وضع الورقة في صندوق الاقتراع وخرج وفي ذهنه صورة السيارة الجميلة التي يحلم بها.
أما عبد السلام ولد علي فحكايته أطرف من ذلك، لم يطلب سيارة ولا منزلا، طلبوا منه وأقنعوه بان يصوت على المفتاح، دخل إلى المعزل وقام بتقطيع الرمز المطلوب وخرج ليضعه في الصندوق، انفجرت القاعة ضحكا ، لم يفهم المسكين ما الذي يضحكهم بتلك الطريقة الهستيرية حتى أصبحت حكايته تتداولها الألسن.
مفارقات وطرائف في مسرحية كوميدية أحسن أصحابها نسج تفاصيلها، ضحكوا على السكان المساكين ولم يضحكوهم، وعدوا فاخلفوا، رسموا جنة في أذهان المساكين فتحولت بعد وقت قليل لجحيم يحرق عظامهم بين الطرقات الغير المعبدة وظلمة الليل الحالكة وغياب التطبيب وكل مستلزمات العيش الكريم.






























