بيير بورديو أحد أبرز مثقفي هذا العصر وأحد أشهر المختصين في علم الاجتماع في العالم. ترك للإنسانية أعمالاً مرجعية، وحظي بشهرة عالمية معترف بها، حيث إن أعماله أسست من وجهة نظر أكاديمية مدرسة علم الاجتماع النقدية للحداثة التي ترافقت معها، وانتقلت ببورديو من عالم اجتماع إلى “نبي” فرنسا في علم الاجتماع، ساهم في إطلاق العديد من الحركات الاجتماعية عقب الاضطرابات التي شلت فرنسا في عام 1995.
لمع اسمه في الأبحاث الاجتماعية النقدية في السيطرة ورأس المال والعنف والعولمة المالية والحركة الاجتماعية وكان عالم اجتماع بإمتياز.
ويصادف اليوم (1أغسطس (آب) 1930) ولادة بيير بورديو، الرجل الذي كان مولعاً بالمعرفة فلم يبق مجال إلا وأثار اهتمامه من عادات القبائل في الجزائر إلى المنظومة التربوية، ومن مؤسسات البحوث إلى الزواج ومن معايير التذوق إلى سيطرة الذكور، ومن كبار الموظفين في الدولة إلى اللغة ومن باسكال إلى التلفزيون، ووفقاً للفيلسوف روجيه – بول دروا، لم يكن هذا التنوع الشديد في الموضوعات التي تطرق إليها بورديو إلا محاولة للإجابة على الأسئلة الانسانية الأزلية: من أنا ومن نحن وماذا اعرف؟
ولد بورديو في الأول من آب العام في دونغان (منقطة البيرينيه – الأطلنطي) لعائلة ذات أصول فلاحية. حاز على الأغريغاسيون في الفلسفة ودرسها في ثانوية “مولان” حتى العام 1955 من ثم درس في الجزائر (1958-1960) وباريس وليل، ثم تولى مناصب عدة: مدير دراسات في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، مدير مجلة “أبحاث في العلوم الاجتماعية”، أستاذ علم اجتماع في “الكوليج دوفرانس” حاصل على كرسي علم الاجتماع حتى 28 مارس (آذار) 2001، حيث ألقى درسه الأخير، وعقب ذلك أعلنت هذه المؤسسة الثقافية الكبيرة عن إلغاء كرسي علم الاجتماع، تقديراً للمفكر والفيلسوف الذي افتتحها.
تميز بورديو خلال السنوات الأخيرة بفضحه بشكل منهجي الخبراء والصحافيين والاقتصاديين، و”الفكر الأوحد” (العبارة المعاصرة للتعبير القديم “الفكر المهيمن”)، مما نتج عنه حجب النور عن صورة بورديو المعروف بشكل واسع من أنه واحد من ألمع المفكرين في المجتمع المعاصر.
ذكر لويس بنتو، أحد “أنصاره” في كتاب مخصص “لبيار بورديو ونظرية العالم الاجتماعي” كيف أن عمل عالم الاجتماع مثل “ثورة رمزية” شبيهة بالثورات التي شهدناها في عدة مجالات أخرى، كالموسيقى والرسم، والفلسفة أو الفيزياء، كما أوضح أن ما أضافه بيير بورديو إلى علم الاجتماع هو قبل كل شيء “طريقة جديدة في رؤية العالم الاجتماعي” من خلال إعطاء “وظيفة كبيرة للبنيات الرمزية”. فالتربية، والثقافة، والأدب، والفن، التي كانت موضوعاته الأولية للدراسة، تنتمي إلى هذا العالم.
فتحت كتابات بوديو أفاقاً جديدة في علم الإجتماع، فمنذ كتابه “الورثة” الذي نشره بالاشتراك مع جان كلود باسيرون العام 1964، إلى كتابه حول البنيات الاجتماعية للاقتصاد الصادر عام 2000، مروراً بكتابه حول التمييز الصادر في عام 1979، وكتابه الجماعي حول “بؤس العالم”الصادر في عام 1993، سعى بيار بورديو إلى تعرية الحقائق.
كما تمكن بيارمن المزج بين نظريات كارل ماركس واميل دوركهايم وماكس فيبر إضافة إلى “مارسل موس” و”ارنست كسيري” و”لودفيج ويتجنشتاين” و”إدموند هوسرل” و”كلود – ليفي ستراوس”، حيث صاغ بورديو مفاهيمه الخاصة متخطياً بذلك الافكار التقليدية المتضادة في علم الاجتماع و التي تجمع بين البنيان والتاريخ، بين الحرية والحتمية، بين الفرد والمجتمع، بين الذاتية والموضوعية.
وقد كرمه المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) في عام 1993. واعتبر بيار بورديو أن المركز الوطني للبحث العلمي قد “أحيا علم الاجتماع الفرنسي، من خلال الجمع على الدوام بين التجريبية الصارمة والنظرية المؤسسة على ثقافة كبيرة في الفلسفة والأنتروبولوجيا وعلم الاجتماع”.
خاض بيار بورديو معركة شرسة ضد النيوليبرالية بكل تلاوينها، فضلاً عن أنه اجتهد في المزاوجة بين عالم الاجتماع والمناضل السياسي من خلال توظيف معرفته الأكاديمية العلمية في خدمة الالتزام السياسي.
كما عارض بورديو بعنف العولمة الرأسمالية المتوحشة، واعتبر أن قدرية القوانين الاقتصادية تخفي سياسة، ولكنها غريبة كلياً، لأنها سياسة تستهدف نزع السياسة من المجتمع.
منذ بداياته الأكاديمية حتى وفاته في 23 يناير (كانون الثاني) 2002 ظل بورديو ينادي بمزيد من الكونية على الصعيد الثقافي من أجل “حركة اجتماعية أوروبية تكون خطوة أولى على طريق بناء أممية جديدة، وظل يدافع عن هذا المثال الراديكالي، وفياً لدوره كمثقف نقدي ملتزم.






























