التبريس.
تولد الفكرة كمشروع ثوري، تثير حولها الكثير من الحماسة والانبهار، لكنها ، وبعد أن تدخل لعبة التمطيط الزمني، تفقد الكثير من بريقها، وفي نهاية المطاف، تصير مجرد منتوج محافظ لايرقى إلى مستوى لحظة الولادة الثورية.
ذلك مثلا ما يمكن أن ينطبق على مشروع «الجهوية الموسعة». ففي تفاصيل المسودة الموضوعة للنقاش بين وزارة الداخلية ورؤساء الجماعات الترابية، تتلاشى الحماسة والانبهار اللذين واكبا ميلاد الفكرة، لتحل مكانهما سلطة الفتور وحتى الإحباط. فالنزعة المحافظة في التشريع ماتزال قاسما مشتركا بين الدولة والأحزاب، حتى وإن سعى البعض من هذه الأخيرة لأن يظهر بصورة المعارض الشرس «للمشاريع التراجعية».
لنعد بزمن الأحداث قليلا إلى الخلف. قبل سنتين، ولدت فكرة الجهوية الموسعة. لم تكن محكومة بسياق إصلاح إداري أو إعادة تقسيم ترابي روتيني، كانت في قلب تطورات متسارعة في ملف الوحدة الترابية، حينها وصل مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب كجواب أممي على نزاع الصحراء إلى حالة الإنسداد في المفاوضات، فبدا أن هناك حاجة إلى جواب وطني على الأزمة، فجاءت الجهوية الموسعة لتعلن إعادة هيكلة الدولة في اتجاه أكبر من الجهوية الكلاسيكية وأقل من الحكم الذاتي.
ثم جاءت لحظة تثبيت هذا الخيار الوطني مع خطاب تاسع مارس 2011 والوثيقة الدستورية الجديدة ، حيث تم إرساء لحظة غير مسبوقة في التاريخ الجهوي المغربي باعتماد الانتخاب المباشر لرئيس الجهة، وإعمال مبدأ التدبير الديمقراطي الحر، وأيضا فتح الباب أمام التدخل المباشر للسكان، عبر تقنية العرائض، في توجيه السياسة الجهوية …
لكن قوة الخيار الوطني وتوهج الروح الديمقراطية في مشروع «الجهوية الموسعة»، لا نجد لها أثرا كبيرا في مسودة القانون التنظيمي للجماعات الترابية. المشروع المعروض للنقاش ليس نصا قانونيا جديدا بالمعنى الكامل للجدة، هو مجرد تنقيح لنص قديم يعود لأكثر من عشر سنوات، وفيه استمرار للكثير من نزوعات الحد من الاستقلالية الجهوية، واستمرار اعتبار الجماعات الترابية مجرد مصلحة من المصالح التابعة لوزارة الداخلية أكثر منها هيآت ديمقراطية ذات استقلال إداري ومالي…
في أصل هذا العطب، يوجد عقل قانوني محافظ في وزارة الداخلية ، وداخل الأحزاب السياسية لايبدو منسوب المحافظة أقل منه في الإدارة الترابية. فمهما بلغت الاختلافات بينهما، يلتقي الطرفان في التخوف من هواجس « الجهوية السياسية التي تهدد بتأجيج النزعات الإنفصالية» كما لو أن السياسة التي أبدعت «الجهوية الموسعة» هي نفسها التي لاتثق في بعدها السياسي.
في الأمر كثير من قلة الجرأة في التوجه نحو إعادة هيكلة الدولة على أسس ديمقراطية جديدة، وفيه أيضا تأكيد لمقولة يرددها خصومنا الأقل عدوانية في الخارج : «المغرب يعد كثيرا لكنه، لاينفذ إلا القليل».والأمل معقود على أن تكون المناقشات بين الحكومة والبرلمان فرصة لتدارك هفوات التردد الذي يحول مشاريع ثورية كبيرة إلى منتوجات موغلة في المحافظة.
المصدر: يونس دافقير: يومية الأحداث المغربية






























