بحلول موسم حصاد سنابل الكيف التي عادة ما تكون خلال شهر شتنبر، تكثر تحركات عناصر الدرك في الجماعات القروية التي تعرف انتشار هذه الزراعة المحظورة، وعادة ما تحركهم الرسائل المجهولة التي يعتبرها المتضررون كيدية ولا تعكس حقيقة الأوضاع بمناطق الكيف، يرى “المحجوب” أن الدولة عليها أن تتعامل مع هذه المسألة بقدر من الحيطة والحذر، فخلال شهر شتنبر تكون منازل كل الفلاحين ممتلئة عن آخرها ب”الغلة” التي يتم جمعها من الحقول، ففي الوقت الذي تركز فيه هذه الشكايات على أشخاص ومنازل معينة، يتم إغفال الآخرين، وتؤدي هذه الاستراتيجية الأمنية حسبه إلى الزج بمئات الفلاحين في السجون بتهمة زراعة القنب الهندي، وبدون أن تقوى هذه المنظومة القانونية على خلق المساواة بين المواطنين الذين يعيشون بتلك المناطق من زراعة “الكيف”.
ومن جهة أخرى تعتبر “رقية”، وهي ربة أسرة تنحدر من دوار أزيلا، أنها أصبحت تدير منزل الأسرة منذ اعتقال زوجها السنة الماضية بتهمة زراعة القنب الهندي، وتعتبر هذه المرأة أن الغبن الذي لحقها يكمن في اختيار زوجها من دون باقي الفلاحين لملاحقته، معتبرة أن لا حول ولا قوة لها في التغلب على مصاعب الحياة، بعد أن زج بزوجها في السجن، معتبرة أن “الجوع” و “القساوة” خير من الذل والعيش من زراعة منتشرة في أرجاء واسعة من المملكة ولكن لا يجرمها القانون ويبقى الفلاح دائما مهددا في حياته ما بين مطرقة الزمن وسندان العيش خلف القضبان.
وفي يوم الأحد الماضي الذي صادف 21 شتنبر من الشهر الجاري حوالي الساعة الرابعة، عاش سكان دوار “وارك” التابع للجماعة القروية “مولاي أحمد الشريف” ليلة بيضاء، بعد تجنيد قائد سرية الدرك بترجيست، ل30 عنصرا من رجاله لمداهمة منزل فلاح يدعى ( م/ل)، يشتبه في تحوزه لمخدرات داخل منزله، ولمجرد علم السكان بخبر قدوم القوات المذكورة، قاموا بمحاصرتها، وأرغموهم على التوقف على المداهمة، بل أكثر من ذلك لوحوا بمواجهة غير محمودة العواقب، التي ربما ستعصف بالهدوء الذي تنعم فيه المنطقة، ورغم توقف قوات الدرك عن مداهمة منزل المعني، فإن الفلاحين أرادوا أن يجعلوا منها قضية للفت الانتباه لهذه الاشكالية التي تتجدد مع مطلع كل موسم حصاد “للقنب الهندي”، وتدفع بضحايا جدد من الفلاحين البسطاء باتجاه عنابر السجون، مخلفين وراءهم أسرا بأكملها لا تجد في الغالب الأعم من يعيلها.
ساكنة دوار “وارك” قالت وقتها لقوات الدرك، أن السماح لهم للرجوع من حيث أتوا رهين بضمانات بعدم تكرار ما جرى، وأن على السلطات أن تكف عن نهج المقاربة التجزيئية في هذا الملف الشائك، وهو ما تأتى لعناصر الدرك بعد تدخل خليفة القائد، الذي طمأن السكان ببحثه عن حل يرضيهم شريطة أن يتركوا رجال الدرك يرحلوا بسلام وهو ما استجابوا له في الساعة الثامنة صباحا، غير أنهم فضلوا بالمقابل تنظيم مسيرة احتجاجية مشيا على الأقدام باتجاه جماعة مولاي أحمد الشريف، شارك فيها حوالي 600 شخص، قاموا بمحاصرة مقر الجماعة ورافعين شعارات تطالب بالكف عن ملاحقتهم بتهم “زراعة القنب الهندي” وتنمية منطقتهم.
“الأحداث المغربية” أثناء إنجازها لهذا التحقيق، وقفت على تضارب في الأخبار والمعطيات، التي مصدرها صعوبة الوصول للمعلومة خاصة الرسمية منها، وفي هذا المضمار أكد مصدر أمني مطلع، أن سبب شن قائد سرية الدرك بترجيست لحملة في دوار “وارك” لمداهمة منزل أحد الفلاحين وتفتيشه، كان على خلفية رسالة مجهولة توصل بها يوم 19 شتنبر الجاري، تفيد بوجود كمية مهمة من المخدرات بالإضافة لبنادق وذخيرة حية بمنزل أحد الفلاحين المسمى ( م/ل)، وهو ما أدى بمصالح الدرك لإخضاع الرسالة للبحث والتحري، ومعرفة مدى صحتها وذلك بإشراف من النيابة العامة التي أكد المصدر، أنها منحت أوامرها بتفتيش منزل المعني حيث انتقلت عناصر الدرك للدوار ذاته وقامت بمحاصرة المنزل المشبوه وأكد المصدر أن قوات الدرك لم تدخل للمنزل قصد تفتيشه إلا بحلول الساعة السادسة صباحا وهي رواية مخالفة تماما لإيفادات الفلاحين المنتمين لدوار “وارك” الذين يقولون أن قوات الدراك داهمت دوارهم عند الساعة الرابعة صباحا للبحث عن مشتبه بحيازته للمخدرات بمنزله.
القانون واضح يؤكد ممثل الدوار في اتصال مباشر، موضحا أن قائد الدرك، قام بإنزال عناصره بالدوار حوالي الساعة الرابعة صباحا، وأضاف أنه أعطى لهم الأمر بتفتيش المنزل المستهدف، قبل الساعة السادسة صباحا، كما ينص على ذلك القانون الذي يحدد بشكل صريح وقت مداهمة المنازل الذي يجب أن يكون بين الساعة السادسة صباحا والتاسعة ليلا، وأضاف أن السكان رفضوا هذه التجاوزات القانونية وعبروا عنها بطريقتهم في الاحتجاج وطالبوا المسؤولين الاقليميين بالتدخل لحمايتهم ضد ما أسمهم بالشطط والتعسفات التي يتعرضون لها من طرف عناصر الدرك.
خبر الاحتجاجات نزل على السلطة كالصاعقة، وهي التي ذاكرتها لازالت تستحضر مواجهات 2012، بدوار “إيمازون ” التابع لجماعة مولاي أحمد الشريف، التي عرفت احتجاجات مكثفة للفلاحين وصلت حد تبادل إطلاق النار، عندما قام رجال الدرك بمداهمة منزل مشتبه بحيازته للمخدرات، مما جعلها تدفع بكل جهودها ومساعيها الحميدة لتطويق الوضع بالجماعة، وإنهاء محاصرة أزيد من 600 شخص لها معظمهم من الشباب العاطل عن العمل، ودفعت بثقل المنتخبين لإقناع المحتجين بالعدول عن فكرة إحتجاجهم، كما قام محمد الأعرج أحد برلماني الحسيمة الأربعة، بتقديم وعود شافية لهم بنقل مطالبهم كلها لقبة البرلمان قصد إيجاد حلول مناسبة لها.
جلول صمصم والي جهة تازة الحسيمة تاونات، سعيا منه لمعرفة حيثيات الاحتجاجات والتوتر السائد في جماعة مولاي أحمد الشريف سارع لعقد اجتماع عاجل بمقر الولاية يوم الثلاثاء 23 شتنبر 2014، حضره بالاضافة إلى البرلمانيين عن إقليم الحسيمة محمد الأعرج ومحمد بودرا ونور الدين مضيان، وكل من رئيس جماعة مولاي أحمد الشريف، الأخير الذي قام حسب مصدر مطلع بإطلاع الوالي على دواعي الاحتجاج الذي عرفته الجماعة والذي سببه حسبه اقتحام قوات الدرك لدوار “وارك”، لتفتيش منزل مشتبه في حيازته للمخدرات، وأضاف المصدر أن رئيس الجماعة اشتكى كذلك من المداهمات المتكررة للدرك، بسبب الرسائل المجهولة التي يتم استعمالها حسبه لتصفية حسابات ضيقة بين تجار المخدرات.
من جهة أخرى أكد البرلمانيون خلال اجتماعهم بالوالي أن المنطقة تعرف تهميشا منقطع النظير، فهي التي تفتقد لأبسط مقومات العمران البشري، علاوة على غياب التنمية وارتفاع معدلات الفقر والأمية.
والي الجهة وعد الجميع خيرا بمعالجة هذا الملف والتحقيق لمعرفة ملابسات الحادث الذي كاد أن يودي بالجماعة لنتائج لا تحمد عقباها، كما قامت القيادة الجهوية للدرك الملكي بالحسيمة بإيفاد لجنة تحقيق لدوار” وارك “، واستمعت لكل من مقدم الدوار، وخليفة القائد، بشأن التوقيت الذي دخل فيه هؤلاء لمنزل المشتبه فيه.
ويشكك أحد المنتخبين لم يشأ الكشف عن هويته في جدوى مجهودات السلطة في الحد من مداهمة منازل الفلاحين القاطنين بالجماعات القروية الجبلية التي تعرف زراعة القنب الهندي، والسبب حسب رأيه أن القانون يجرم هذه الزراعة ويعتبرها كالاتجار في المخدرات، كما أنه يأخذ بالشكايات المجهولة المصدر في متابعة الفلاحين، وأضاف أن هذه القضية تستوجب حلا كاملا ولا تقبل التجزيئ، فما ذنب الفلاحين الذين يزج بهم في السجون بدعوى زراعة نبتة يزرعونها بعد أن ورثوها عن أجدادهم وتشكل مصدر رزقهم في الوقت الذي تعجز فيه الدولة على تحقيق التنمية بمنطقتهم على حد تعبيره.
إذن فقضية زراعة “العشبة” كما يسمونها في تلك الربوع لا تحتاج لنقاش قانوني يغيب الانتظارات وحاجية ساكنة تلك المناطق في القوالب الصورية للقانون، الذي يظل بعيدا عن ما تخفيه هذه الزراعة من مآسي حقيقية تتمثل في غياب التنمية وتفشي البطالة، وغياب أية وحدة انتاجية علاوة على قلة الأراضي الصالحة للزراعة بفعل طبيعة الريف الجبلية وفي هذا الإطار فالمسألة يوضح محمد الأعرج أستاذ القانون العام بكلية الحقوق بفاس، وبرلماني عن إقليم الحسيمة “تحتاج لفتح نقاش وطني حول القنب الهندي هو إيجابي ولكنه لابد من اعتبار القنب الهندي نبتة تقليدية دأب الناس على زراعتها في المنطقة بخصوصيات المنطقة لذا نقول أن تقنين زراعة القنب الهندي ليس من السهل، كما يعتقد البعض لا على المستوى الداخلي ولا على المستوى الخارجي خصوصا خصوم المغرب الخارجيين الذين سيعيدون بناء أحكام مسبقة على المغرب”.
كما أنه لابد من الإشارة يوضح ” أن الذين فتحوا النقاش حول هذه النبتة ليسوا على علم أن سكان مناطق الريف يعتبرون هذه الزراعة مقننة منذ 1919 وبالظهير الذي صدر في 5/11/1919 الذي يضبط زراعة الكيف والذي تم تعديله بظهير 2/3/1920 وكذا بالوثيقة الخليفية الصادرة عن السلطان بشمال المملكة مولاي الحسن 1934 التي تسمح بزارعة الكيف دون الحصول على تراخيص في مناطق محددة سلفا “، كما أشار “أن قانون 21 ماي 1974 المتعلق بتجريم زراعة وترويج المخدرات لم ينسخ الظهير السابق وبالتالي فإن الفلاح في هاته المناطق يعتبر أنه مرخصا وأن المتابعات هي باطلة في أساسها وأن قانون 1974 يجرم الاتجار في المخدرات وليس زراعته”.
محمد الأعرج يوضح أنه ك”ممثل للمنطقة في البرلمان منذ سنة 2007 ظل يسائل وزراء العدل حول عدم مشروعية تحرير محاضر المتابعات من طرف أعوان المياه والغابات إلى أن استجاب الوزير الحالي بإصداره لدورية تمنع إنجاز محاضر المتابعات من طرف أعوان المياه والغابات بخصوص متابعات زراعة القنب الهندي، والتي كان لها آثار إيجابية على ساكنة المنطقة، وأعتقد أن مثل هذه السياسات هي التي من انتظارات الساكنة، وليس نقاش ليس له أهمية بالنسبة لهم فوقف المتابعات وعدم الخلط بين الإتجار في المخدرات وزراعة القنب الهندي هي التي يجب أن تناقش بجدية “.
شريف ادرداك فاعل جمعوي نشيط وأحد مؤسسي جمعية صنهاجة اسراير، أكد في تصريح خص به الجريدة أن “مداهمات قوات الدرك للمداشر القروية لجماعات صنهاجة السراير التي تعرف انتشار زراعة القنب الهندي، تتجدد عند كل موسم حصاد، مستغربا أن يتم تفتيش منزل معين دون غيره والحقيقة أن كل المنازل تكون غاصة بسنابل “الكيف “، وأضاف ” أن الدرك يتحرشون بالفلاحين ويحررون في حقهم محاضر تتهمهم بزراعة الكيف، ويتم الزج بهم في السجون علاوة على كون المنطقة المعنية بالكلام تعرف أعلى معدلات المتابعين من طرف العدالة الفارين في الجبال، ومنهم من يهيم في ارض الله مهاجرا تاركا وراءه زوجته وأبناءه لا لسبب سوى متابعته برسالة مجهولة تتهمه بزراعة القنب الهندي.”
عضو بلجنة متابعة الشأن المحلي بكتامة والنواحي اعتبر أن تفتيش منازل الفلاحين ليس بالحل الناجع للقضاء على زراعة الكيف التي يجرمها القانون، معتبر أن هذه الزراعة تمتد على مساحات شاسعة تصل غربا للعرائش، ناهيك عن المناطق الساحلية الأخرى التابعة لإقليمي الحسيمة والشاون التي تعرف بدورها انتشار هذه الزراعة التي تشكل العصب الاقتصادي للسكان، وتمارس أمام أعين السلطات التي ترعى وتأمن للفلاحين تزويدهم بكل متطلباتها من أملاح ومواد عضوية، ومبيدات الحشرات، والأنابيب البلاستيكية…، وأثناء موسم الحصاد يتفاجئ الفلاحون بمداهمات تطال بيوتهم، ويضف ” أكيد أن يعثر رجال الدرك على سنابل الكيف داخل منازل الفلاحين لأن هذه الحملات تتزامن مع حصاده”.
وتجدر الإشارة وحسب دراسات عدة إلى وجود أكثر من 44 ألف مبحوث عنه و17 ألف متابع بتهمة زراعة القنب الهندي، ومحنتهم تكمن في عدم قدرتهم على ولوج الادارات والأماكن العامة مخافة اعتقالهم، كما أن اغلب الملكيات الفلاحية محدودة بتلك المناطق الجبلية، وتدر في أحسن الأحوال 3 قناطير للهكتار، أي ما يعادل 30 الف درهم (في احسن الاحوال) سنويا.
كما تعرف مناطق إنتاج القنب الهندي، أدنى مستويات التنمية البشرية، ومشاكل بيئية عدة منها التلوث والجفاف، والسقي المكثف، وانجراف التربة حيث تفقد تلك الأراضي نسبة كبيرة من تربتها النافعة سنويا، وأعلى مستويات الفقر، حيث تستفيد فقط ب 1,8% من عائدات القنب الهندي، وتشير تقارير عدة إلى أن مساعدات الدول الاوروبية للدولة المغربية بخصوص القنب الهندي تقدر بأكثر من 115 مليار دولار لم تستفد منها المنطقة بتاتا، ويظل الآلاف من المواطنين محرومين من التنقل ومن انجاز وثائقهم الادارية ومن تسجيل أبنائهم في الحالة المدنية ومن التعلم بسبب الخوف من المتابعات بتهمة زراعة القنب الهندي.
ورغم تباين وجهات نظر كل المتدخلين في نقاش مسألة مداهمة منازل الفلاحين بدعوى البحث عن “الكيف” في موسم حصاده، وبعد أن تمت زراعته أمام أنظار السلطة التي أكد مصدر على أنها تقوم ب”أكل الغلة وتقوم بسب الملة”، فإن الكل متفق على أن المقاربة القانونية ليست هي الحل أو البديل عن المقاربة التنموية التي تبحث في أسباب التهميش والعزلة وتقدم الحلول البناءة لإخراج مناطق الكيف، لمصاف الجماعات التي تعرف تدفق استثمارات الدولة في شتى الميادين الاجتماعية والثقافية والرياضية، وبالمناسبة فأستاذ القانون العام بكلية الحقوق بفاس محمد الأعرج يؤكد على الحاجة الماسة “للمقاربة التشاركية التي تقوم على آليات تنموية وسياسات عمومية واضحة في هذا المجال، تأخذ بعين الاعتبار العديد من الانتظارات، وهنا لابد من الإشارة أن مناطق الريف خصوصا منطقة كتامة تزخر بالعديد من الأطر والكفاءات والباحثين الجامعيين من دكاترة وأساتذة ومهندسون وقضاة… الخ، وأن لديهم مقاربات واقعية وموضوعية وتصورات قادرة على تأهيل المنطقة، كما استغرب “للنعوت التي ينعت بها ساكنة مناطق الكيف (مطاردون من العدالة ومهربون وفارون… الخ) والتي لا علاقة لها بنضال واستقامة ووطنية هؤلاء المزارعين”.
المصدر: خالد الزيتوني: يومية الأحداث المغربية






























