التبريس.
للوقوف على ظروف التمدرس في درجات تنخفض تحت الصفر وبرامج التدفئة، التي توفرها الجهات المسؤولة داخل الأقسام أيام البرد، زارت “التبريس” بعض المؤسسات التعليمية بالجماعات القروية التابعة لإقليم الحسيمة، وعاينت معاناة بعض الأساتذة والتلاميذ بجماعتي بني أحمد امكزن وجماعة بني بونصار…. ، قبل التحاقهم بالمؤسسات التعليمية، التي تفتقد للدفء داخل حجرات الدرس.
انطلاقا من مدينة تارجيست في اتجاه جماعات زرقات، بني بونصار، أمكزن، بني بوشيبث، كان البرد خلال الأسبوع الماضي قارسا، وكانت أشعة الشمس المنعكسة على المساحات الشاسعة المكسوة بالثلوج تعيق الرؤية، خلال الطريق العابرة لغابات كثيفة الأشجار وحقول ممتدة عند منحدرات الجبال.
يقطع العاملون بالمجموعات المدرسية التابعة للجماعات الجبلية المذكورة، أزيد من 120 كليمتر غرب الحسيمة، ذهابا ومثلها إيابا، للالتحاق بمؤسساتهم التعليمية.
العديد من رجال التعليم بهذه الجماعات يملؤهم شعور بالإحباط في عملهم، ويفكرون في التخلي عن مهنة التدريس، إذ أن الظروف القاسية، ومشاكل التنقل، إلى جانب غياب التواصل مع المسؤولين الإداريين، وغياب ظروف العمل، كلها عوامل جعلتهم يفكرون في استغلال نشاطهم وحيوتهم في مهنة حرة.
وقال هؤلاء المدرسون إن التدفئة أيام البرد هي النقطة التي أفاضت الكأس، إذ أن كل المدرسين بهذه الجماعات ساخطون على الوسائل المستعملة، لأن الفحم الحجري والخشب لا توفرهما وزارة التربية كما أنهما سبب النزاعات مع الإدارة التي لم توفر من يقوم بإشعال المدفأة ساعة على الأقل قبل بداية الحصص، حتى لا يؤثر دخان المدفأة على صحة الأطفال.
وفي غياب العون الذي يشعل المدفأة، يعتمد الأساتذة على فأس لقطع الحطب الذي يحضره التلاميذ من منازلهم، ويعمدون على تقطيعه أجزاء قبل استعماله.
ويوظف بعض الأساتذة بعض التلاميذ في قطع الحطب، وإشعال المدفأة في غياب الأعوان الذين من المفروض أن توكل لهم هذه المهام.
كما تفرض برودة الطقس في الجماعات الجبلية التابعة لإقليم الحسيمة عطلا إجبارية على التلاميذ بسبب المرض، إذ أن الزكام والتهاب اللوزتين يتصدران الأمراض التي تصيب التلاميذ، وفق ما صرح به معلم بمجموعة مدرسية فضل عدم ذكر اسمه، وأضاف أنه لا يلتحق بالقسم سوى ثلث التلاميذ أيام البرد، وأن أغلب التلاميذ يضطرون لقطع حوالي 3 كيلومترات مشيا على الأقدام، للوصول إلى المدرسة، منها مسافات طويلة وسط الثلوج. وفي حالة عدم اشتغال مدفأة القسم، يظل هؤلاء التلاميذ يرتجفون من البرد، وبعضهم لا يستطيعون حمل القلم بين أصابعهم، وفي انتظار الاستئناس بالوضع داخل الحجرات الباردة تضيع مدة مهمة من الحصة الصباحية.
ويؤدي فقر بعض أسر أعالي الجبال إلى انتشار سوء التغذية بين الأطفال، إلى جانب غياب ملابس صوفية تحميهم من البرد.
وإذا كان الفقر هو أصل محن أطفال المنطقة أيام البرد، فإن ضعف الخدمات الاجتماعية، بما فيها المراكز الصحية، تزيد هذه المحن شدة، إذ أن المريض يعاني في صمت ويلجأ في بعض الأحيان إلى التداوي بالأعشاب.
إذا كانت تضاريس الطبيعة التي تزخر بها القرى التابعة لعمالة إقليم الحسيمة تقف وراء إعجاب عدد من الزوار بهدف الاستمتاع بمناظر الثلوج أيام فصل الشتاء، فهي تقف أيضا وراء تعثر الدراسة، بعد محاصرتها لعدد من الدواوير.
في ظل ضعف الإمكانيات المادية، يعتمد عدد من التلاميذ على قوة الإرادة لتحدي الطبيعة، فيواجهون محن البرد ويقطعون المسافات، صباح كل يوم في نشوة الالتحاق بالقسم، واللقاء مع الأصدقاء، الذين يقطع بعضهم الطريق بالاعتماد على الدواب كوسيلة للنقل المدرسي في البادية.
وإذا كانت هناك مؤسسات تعتمد على التدفئة المركزية، التي لا تؤثر على السير العادي للدراسة داخل حجرات الدرس، فإن غياب عون خاص يقوم بإشعالها، وعدم توفير الحطب والفحم في فصل الشتاء يظل المشكل القائم في أغلبية المدارس.
وتجري عمليات إشعال المدفئات عبر مبادرات فردية من قبل المعلمين، إذ أكد معلم أنه يحضر ساعات قبل انطلاق الحصة الصباحية، ويشعل المدفأة ويغادر القاعة في انتظار انسحاب الدخان.
وفي هذا الإطار، أكدت إحدى المعلمات بإحدى المجموعات المدرسية الجبلية التابعة لإقليم الحسيمة أن رائحة دخان الخشب يلحق أضرارا برأسها، وأنها أصبحت تدمن على تناول أقراص لمواجهة الأوجاع التي تشعر بها.
وبدورهم، لم يسلم التلاميذ من المشاكل الصحية التي يخلفها الخشب، إذ يعانون، حسب المعلمة، الاختناق، الذي يؤدي إلى السعال المسترسل، ناهيك عن أعراض الحساسية وأمراض العيون.
واعتبرت شغيلة التعليم التدفئة المستعملة حاليا تساهم في هدر الزمن المدرسي، إذ علل أحدهم، المشكلة بصعوبة الاشتعال من جهة، وبمغادرة عدد من الأساتذة رفقة تلاميذهم القاعات بسبب الرائحة والدخان الذي يخلفه الخشب من جهة أخرى.
وأكدت أن ملف التدفئة يجب أن يحتل الصدارة بالنسبة لحاجيات التمدرس، لأن “الجو لا يطاق داخل الحجرات خلال انخفاض الحرارة إلى درجات تحت الصفر“.
ويطالب الأساتذة من نيابة التعليم بضرورة دراسة مشكل توفير المرافق الصحية، والربط بالماء والكهرباء ومشكل تحصين المؤسسات التعليمية، ومعاينة الحجرات المبنية بالمفكك وإحصائها.
المصدر: ح/غ.ي/م.التبريس































