لا تفصلنا سوى أيام قليلة عن معرفة الأحزاب المغربية التي ستتبوأ الصدارة في الانتخابات التشريعية. وقبل تلك اللحظة الحاسمة سيجد المواطنون المغاربة أنفسهم إزاء حملة انتخابية عبر وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية يخوضها 32 حزبا، من بينها عدد من الأحزاب التي كانت في حالة كُمون مدة خمس سنوات، ولم تستيقظ من سُباتها إلا في هذين الأسبوعين اللذين يسبقان يوم الاقتراع، ومن الصعب على الناس أن يعرفوا توجهاتها أو حتى أسماء زعمائها وقيادييها، بسبب الغياب التام لهذه الأحزاب عن الساحة السياسية الوطنية. وبالتأكيد أن الأحزاب القوية ذات القواعد الواسعة، سواء تلك التي تشارك في الحكومة الحالية أو الأخرى التي تتموقع في المعارضة، لن تكون في حاجة إلى هذه السويعات القليلة التي ستخصصها لها وسائل الإعلام العمومية لكي تُقنع الناس ببرامجها الانتخابية، لأن حصاد الغلة الجيدة يتطلب زرع البذور الجيدة والعناية المُبكّرة بالغرس وفق تقنيات ووسائل جيدة، وهو أمر تتُقنه الأحزاب التي لها موارد بشرية ذات خبرة ومراس، والتي تبلي البلاء الحسن في الميدان، وتبذل الجهد المتواصل في علاقتها مع المحيط، قبل أن تجني الثمار في موسم قطاف الغلة .
ولعل أصعب رهان سيواجهه المترشحون في هذه الانتخابات، هو دفع الناخب المغربي إلى التوجه نحو صناديق الاقتراع يوم 7 أكتوبر المقبل، بتلك الكثافة التي يتمنونها، وبصورة تُظهر أن المواطنين المغاربة لديهم ثقة في هؤلاء المرشحين، وفي العملية الانتخابية التي تُعد الآلية الناجعة لترسيخ قيم الممارسة الديمقراطية. وصعوبة كسب هذا الرهان نابعة من أن الخطاب السائد المُتداوَل داخل المشهد السياسي من قِبل الأحزاب المغربية، هو في معظمه خطاب يتسم بالتشنج والتصارع وتقاذف التهم، مما يؤدي إلى الزج بالمواطنين داخل دائرة من الارتباك التشويش وعدم وضوح الرؤية، يختلط فيها الزيف بالحقيقة. ومما يزيد في هذه الوضعية التي تساهم في تيئيس الناس، وتدفعهم إلى العزوف عن المشاركة في العملية الانتخابية، هو ما تشهده الساحة الإعلامية من فوضى على مستوى ترويج الأخبار ونشر المعلومة، وهي فوضى مرتبطة بتلك التي يتّسم بها الخطاب السياسي في الكثير من المناسبات. فالإعلام بوسائطه الجديدة، وبالخصوص ذاك الذي يمارس عمله خارج إطار المقاولة المهنية المنظّمة وفق الضوابط القانونية، وحسب خط تحريري واضح، أضحى مرتعا لكل التجاوزات الكائنة والممكنة، وأصبح حقلا لزرع الفرقة والشقاق داخل المجتمع، من خلال تأليب هذا على ذاك، وتحريض ذاك على هذا، وبواسطة لغة تنهل من قاموس سياسي يعج بمفردات المعارك والحروب، وكأن الأمر لا يتعلق بتنافس سياسي لتطبيق برامج الغاية منها هو النهوض بالوطن، بل بقتال بين أشخاص بينهم أحقاد وضغائن لا يمكن أن تزول إلا بعد أن يزيل كل واحد غريمه من هذا الوطن.
الممارسة الديمقراطية لا يمكن أن تكون مُنتجة لمناخ يساعد على تحقيق النهضة والرقي إلا من خلال الارتقاء بالخطاب السياسي، الذي من المفروض أن يكون مُهذبا ومُشذّبا، ويتسم بالعمق والذكاء، وبالرصانة في تمرير المواقف. أما إذا ظل يتخبط في قاموس الجهل والأمية، فإن أغلب من سيتوجهون إلى الصناديق هم من ممارسي هذا القاموس، وهم قلة قليلة في هذا الوطن.
أحمد الدافري































