فوجئت في الأيام القليلة المنصرمة وأنا أسمع أحد المسؤولين الحكوميين، في جلسة برلمانية، يتحدث عن أعمال العنف وينسبها بشكل شبه مباشر للمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء. قد تكون هفوة لسان. قد تكون زلة. قد يكون التعبير الذي يخوننا أحيانا. ليس هذا المهم. المهم في النهاية أن مسؤولا حكوميا، بجملة عارضة، يكرس اليوم مفاهيم تكرست في عمق مخيالنا الجماعي ويجعل منها، إراديا أو لا، حقيقة تابته: المهاجرون السود، من إفريقيا جنوب الصحراء، هم من يتسبب في (أغلب) أعمال الشغب والتخريب في المناطق القريبة من الحدود.
“العزّي”. “العزوة”. “الكحل”. “الضراوي”. “اللويّن”… كثيرة هي النعوت والكلمات القدحية التي يطلقها الكثير منا، أحيانا بشكل شبه عفوي، حين نرى طالبا، متسولا، بائعا متجولا أو غيرهم من المنحدرين من إفريقيا جنوب الصحراء. عنصرية تتجاوز، ربما، عنصرية إخواننا في الضفة الغربية للمتوسط.
أتذكر صديقا أخبرني أنه كان يوما يحدث فتاة تنتمي لأحد بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. صرح لها قائلا بأن سبق له أن سافر إلى إفريقيا. جوابها أخجله من نفسه ومن تصوراته الجاهزة. “لكن، إلى أية قارة ينتمي المغرب؟”. كانت تلك بمثابة الصفعة له. جميعنا نتحدث عن إفريقيا بصيغة الغائب، وكأننا ننتمي إلى قارة أخرى.
صدقوني لسنا أقل عنصرية من صديقي. من منا لم يقل يوما: “الأفارقة اللي فالمغرب”. “هذا البيت تكتريه مجموعة أفارقة”….؟ من منا لم يقل يوما أو لم يسمع شخصا مقربا منه يقول، حين يرى متسولا منحدرا من إفريقيا جنوب الصحراء: “فلأُعطِ لأبناء بلدي، ولأرَ فيما بعد ما يمكن أن أتصدق به عليكم”؟ (هذا إن لم يضف المتحدث كلمة “عزاوا” إلى جملته).
مقال الصديق والزميل “باصيرو با” في إحدى الأسبوعيات الناطقة بالفرنسية منذ حوالي أسبوع زعزعني. أحرجني. أغضبني. أخجلني من تلك الحقيقة الموجعة لعنصريتنا. غضبت مني ومنا ومن شعاراتنا الكبيرة والسهلة. لم يجرؤ أحد منا ليعترف صراحة بأننا شعب عنصري (دون احتساب الاستثناءات الجميلة). شعب يحب الشعارات الرنانة عن الأُخُوّة والإسلام والقيم الجميلة والأخلاق، لكنه متشبع حتى النخاع بقيم الاحتقار والتعالي وتكريس دونية الآخر بناء على معايير لا إنسانية ولا أخلاقية. حتى علاقاتنا الاقتصادية والديبلوماسية فيها نوع من التعالي على غيرنا من البلدان الإفريقية.
الأخطر من كل هذا هو هذا التطبيع الذي صار يطبع علاقتنا بالآخر المختلف. هو أن يصبح كل هذا عاديا وجزءا من اليومي الممل. هو أن نعتبر أنه من حق جارنا أن لا يكري شقته الفارغة لمجموعة طلبة، ليس لأنه يخاف عدم سدادهم لواجبات الكراء، بل لأنه مؤمن بأن “الأفارفة”، يكترون بيتا ليعيشوا فيه فيما بعد بالعشرات. هو أن نعتبر جميعا أن سودَ البشرة أقل قيمة منا، لمجرد أن لون بشرتهم أدكن من لون بشرتنا (بالمقابل طبعا، يكفي أن يكون الشخص أشقرا / منتميا لأحد البلدان الغربية، ليحظى منا بكل الإجلال والاحترام، بغض النظر عن قيمته كشخص). أصبح أيضا من الطبيعي أن يخطب مسؤول حكومي في البرلمان ليقول إنه من مسؤوليتنا، حكومة وشعبا، أن نساهم في محاربة ظاهرة العنف أمام الحدود، والتي يتسبب فيها في كثير من الأحيان، “الأفارقة” المهاجرون سريا في اتجاه أوروبا. أصبح من المقبول أن نتساءل دائما “آش عجبها فيه؟”، حين يخبرنا أحدهم أن فلانة ستتزوج من شخص ينتمي إلى بلد من إفريقيا جنوب الصحراء. أصبح من العادي جدا أن نحتقرهم حين يجلسون على كورنيش الدار البيضاء، أمام فراشاتهم ليبيعوننا بعض المنتوجات. منتوجات ليست أقل ولا أكثر جودة من تلك التي سنجدها على فرّاشة مغربي. بل أنه قد أصبح في حكم المتعارف عليه أن نعتبر متسوليهم أقل قيمة من متسولين مغاربة يشبهونهم في كل شيء، إلا في لون البشرة. تخيلوا كيف صرنا نصنف بشكل طبيعي وعفوي وعادي المستولين أنفسهم إلى درجات. هكذا، يرتقي المتسول درجة أرفع حين يكون مغربيا، لمجرد أنه “ينافس” متسولا من إفريقيا جنوب الصحراء. وربما أننا، لعقدنا المدفونة، سنفضل متسولا أشقر وسنعتبره متسولا من صنف أرقى.
كم يؤسفني أن نتحدث كثيرا عن الغربة وعن تعامل الأوروبيين والأمريكيين معنا، لمجرد أن انتماءنا ولون بشرتنا مختلف. كم يثيرني غضبنا من العبارات المهينة مثل “Sale arabe” أو “travail d’arabe” أو “le téléphone arabe“. كم يحزنني احتجاجنا أمام الصور النمطية التي لدى الكثير من الغربيين عن الإسلام والعرب والمغاربيين، والتي تجعل منا جميعا مشاريع إرهابيين وهمجيين ولصوص وحاملين لقيم العنف بكل أشكالها. نحاول أن نوضح لهم الصورة. نطلب منهم احترامنا في إعلامهم وفي شوارعهم وفي مكاتبهم. نطالبهم بأن يتخلصوا من أفكارهم وصورهم النمطية عنا و نطالبهم بحقنا في فرص الشغل والدراسة والحياة الكريمة. نحتج ضد وضعنا في خانات تقزيمية ونطالبهم باحترام كرامتنا وثقافاتنا المزدوجة. وبالمقابل؟ كم من الأفكار النمطية والتصورات الجاهزة كرّس إعلامنا؟ كم من التخلف طورناه بمحض جهلنا؟ كم من العنصرية جعلناها تنبت بين أحضاننا، سقيناها حقدا وتعالٍ، جتى بدون أن ندري؟ طبّعنا معها بسلاسة مستفزة. لكن، اليوم، لنقلها صراحة وبكل شجاعة: نحن المغاربة عنصريون. عنصريون جدا.






























