بقلم: صلاح الدين الشنكيطي(*)
البرلمان مخول له دستورا التشريع في النظام الانتخابي
يخول الدستور المغربي للبرلمان، سلطة التشريع في “القوانين الانتخابية”، التي وردت بنص الدستور، متعددة ومختلفة باختلاف النصوص التي تتضمنها، فهناك نظام انتخابي لمجلس النواب (القانون التنظيمي طبقا للفصل 62 من الدستور)، ونظام انتخابي لمجلس المستشارين (الفصل 63 من الدستور)، ونظام انتخابي متعلق بالجماعات الترابية (الفصل 146 من الدستور)، يضاف إلى كل ذلك، تنصيص الفصل 71 ضمن مواد التشريع المخولة حصرا للبرلمان، على ميدان “النظام الانتخابي للجماعات الترابية ومبادئ تقطيع الدوائر الانتخابية”؛
هذا الاختصاص الواضح، بتخويل البرلمان التشريع في موضوع النظام الانتخابي، بتفاصيله المنظمة، والتي نذكر منها، الأهلية، والتنافي، وشروط الترشيح، وإيداع ملف الترشيحات، ومسطرة الرفض أو القبول والطعن القضائي في قرارات رفض الترشيح، فالحملة الانتخابية، ضوابطها والجزاءات المترتبة عن مخالفاتها، والاقتراع، وقواعده من تحديد طريقة تشكيل مكاتب التصويت، ومسك المحاضر وتحريرها، وضوابط التصويت، وحسن سير الاقتراع، فاحتساب الأصوات، مع تحديد الحالات الموجبة لإلغائها، وطريقة توزيع الأصوات على المقاعد المخصصة لكل دائرة، والقاسم المستند إليه في ذلك، فإعلان النتائج، فمسطرة الطعن فيها…كلها مواضيع لم يتعرض لها الدستور بشكل صريح، لأنها من الصلاحيات التي خص بها الدستور البرلمان للتشريع فيها، في حين اقتصر الدستور المغربي، شأنه في شأن ذلك، باقي الدساتير المقارنة، على تحديد المبادئ التي تؤطر الانتخابات عموما، والتي حتى وإن لم ترد في الدستور، فهي مبادئ ذات قيمة دستورية، ومنها حرية التصويت وصدقيته، وشروط التنافس والتكافؤ بين الأحزاب السياسية، وشفافية الاقتراع وسلامته، وانتظام العملية الانتخابية (الفصلان 2 و11).
وتجميعـا لما سلف عرضـه، نخلص إلى قاعدتين، هما أن الدستور المغربي جعل “النظام الانتخابي” موضـوعـا أسند النظر في اختياراته، وتحديد قواعده إلى السلطة التشريعية وفق اختياراتها والغايات التي ترمي إلى تحقيقها، والاختلالات التـي تنظر في تصحيحها، وأن هـذا الموضـوع، باستثناء المبادئ العامة المشار إليها فـي الدستور، غير مؤطـر بأحكام دستورية صريحة تذهب إلى تحديد مواضيعه المرتبطة به ومنها أساسا تحديـد نمـط الاقتراع، وأساسه، وطريقة توزيع المقاعـد وعلـى أي أساس …
وبالتالي، فإنه في ظل كل ذلك، فإن البرلمان الحر في التصرف في مجال خص الدستور المشرع، بالتشريع فيه، وفي غياب محددات دستورية في الموضوع، يمتلك سلطة تقديرية كبيرة، وسلطة للملاءمة في تقدير الحلول الموجودة، أو التي يمكن إبداعها للإجابة عن إشكالات وطنية قد لا نجد لها مقابلا في التجارب المقارنة.
فالقانون إنما يوضع لكي يجيب عن إشكال واقع، أو مستشرف، أو لتحسين وتجويد أداء المؤسسات وحسن سيرها، فهل في اعتماد احتساب “القاسم الانتخابي”، على أساس “المقيدين في اللوائح الانتخابية” ما يخالف ما نص عليه الدستور من مبادئ عامة تهم، بشكل كبير، حرية الاقتراع وشفافيته، وهي عملية سابقة زمنيا عن عملية احتساب القاسم الانتخابي وتوزيع المقاعد؟ أبدا، وعلى الذي يدفع بالعكس، أن يبين ذلك، انطلاقا من المقولة الفقهية “البينة على المدعي”…
لكني، وأنا أطالع هذا السجال القانوني، سيما في ارتباط بمدى صلاحية البرلمان في الاختيار الذي قام به، استوقفني رأي أحد أساتذة القانون الدستوري، في تصريح يقول فيه “الفضيحة والسابقة الخطيرة التي تنسف مبدأ التوافق اللّي اعتامدو المغرب هادي ثلاثة عقود… هادي فضيحة عصفات بمبدأ التوافق بين الأحزاب”.
فهل التوافق قاعدة دستورية، أم التصويت والمصادقة على القوانين المعنية، بالأغلبيات المتطلبة دستورا، هي القاعدة الواجبة التطبيق؟ وهل غياب التوافق عيب، يخدش ويعيب المسطرة والإجراءات التشريعية، أم أنه يعطيها مصداقية، لأنها تمت، وفق تصويت شخصي حر، وواع، خلق أغلبية جديدة تؤزم تلك القائمة؟ وهل لأن حزبا معينا كان خارج هذه الإيجابية، التي تم بها التعاطي مع الموضوع، يجعل القانون غير دستوري؟
إن القوانين الصادرة في تطابق دستوري مع مجالها، ومن قبل الجهة المخولة إليها ذلك، وفي تقيد بالإجراءات المقررة، لا يمكن المس بها بعناوين “الفضيحة”، ولا “غيـاب التوافق”، وغيرها من الشعارات…
إن القوانين توضع من قبل جهة مختصة، وتراقب مـن جهة قضائية، وهي الوحيدة التي لها حق التعقيب على سلطة المشرع، لكن ليس في حالة الملاءمة، وأعتقد أنها الحالة اليوم… في انتظار صدور قرار للمحكمة الدستورية في الموضوع.
(*) باحث في علم السياسة والقانون الدستوري
كلية الحقوق عين الشق بالبيضاء































