خالد البوهالي.
قبل أيامٍ، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، في بيانٍ لها، دعمها القوي لمساءلة “حكومة الرئيس السوري بشار الأسد حول الفظاعات التي ارتكبتها قواتها في حق الشعب السوري”، والتي ترقى “إلى جرائم حرب”، بحسب زعمها، مع التشديد على دعم العملية السياسية التي أقرَّها مجلس الأمن الدّولي طبقاً لقراره عدد 2254.
في حقيقة الأمر، يبدو البيان في شقه الثاني عادياً ومفروغاً منه، نظراً إلى أنَّ القرار المذكور حظي بإجماع كلّ أعضاء مجلس الأمن الدولي، لكنَّ الشقّ الأول منه يجعل الأمر موضع تساؤلٍ عن الجهة المخوّلة محاسبة حكومة الرئيس بشار الأسد حول المجازر المزعومة.
إذا كان قصد وزارة الخارجيَّة الأميركيَّة من مسألة المحاكمة هو المحكمة الجنائية الدوليَّة، فينبغي أن نعود إلى الأمس القريب، عندما أعلنت المدّعية العام لدى المحكمة نفسها فتح تحقيق في الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان.
حينها، ثارت ثائرة الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب، واعتبر المحكمة غيرَ شرعيةٍ، بينما مستشاره السابق في الأمن القومي جون بولتون وصف الإجراء بأنَّه يمسّ السيادة الأميركية، ووصل به الأمر إلى حد التهديد بفرض عقوبات على قضاة المحكمة بمنعهم من الحصول على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، ومقاضاتهم طبقاً للقانون الأميركي.
وقبل أشهرٍ، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيقٍ في الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيوني – إبان عملية “سيف القدس” – في حقّ أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. حينها، عارضت الإدارة الأميركية الحالية ذلك بشدة، على لسان المتحدث باسم خارجيتها نيل برايس، مشدداً على أنَّ بلاده ستواصل التمسك بالتزامها القوي تجاه “إسرائيل” وأمنها، بما يتضمَّن “معارضة الإجراءات التي تسعى لاستهداف إسرائيل على نحو جائر، فالمحكمة الجنائية الدولية ليس لها اختصاص بشأن هذه المسألة”، بحسب قوله.
إذاً، وفقاً للمنظور الأميركي، فإن المحكمة الجنائية الدولية لها اختصاص فقط في الجرائم المزعومة التي “ارتكبها الجيش السوري”. أما الجرائم التي ترتكبها “إسرائيل”، فلا سلطة للمحكمة الجنائية الدولية عليها، لأنها محصنةٌ من أيةِ مساءلةٍ، وأي إجراءٍ تقوم به الأخيرة جائرٌ، ما دام الأمر يتعلق بالكيان الصهيوني، وكأن ما يرتكبه من فظاعات يرقى إلى درجة القداسة، ولا يمكن المساس بها! وقس على ذلك جرائم الحرب التي ارتكبتها القوات الأميركية في أفغانستان وغيرها من الدول التي احتلَّتها أو هاجمتها.
وإذا كانت المحكمة الجنائية “جائرةً”، بحسب توصيف الإدارة الأميركية، فلماذا اتخذتها وسيلةً لتصفية حساباتها مع العديد من رؤساء الدول المناوئين لسياستها، مستغلةً أحكام المادة 13 الفقرة “ب”، المتعلقة بالحالات التي تمارس فيها المحكمة اختصاصها “إذا أحال مجلس الأمن، متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حالةً إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت”؟
وحتى تحمي الولايات المتحدة الأميركية جنودها وضباطها من أية ملاحقةٍ قضائيةٍ، لجأت إلى توقيع اتفاقيات مع عدة دول لمنح حصانة تحول دون محاكمة الجنود والضباط الأميركيين، باستثناء دول الاتحاد الأوروبي التي رفضت ذلك، حتى لا تُحْرَجَ أمام شعوبها، لأنها تعلم بالفظائع التي اقترفتها قواتها وقوات الكيان الصهيوني، وهذا دليل فاضح على ازدواجية المعايير لدى الأميركيين في التعاطي مع المحكمة.
إنَّ ما تعرَّضت له سوريا ليس سوى مؤامرةٍ صهيونيةٍ جرى التخطيط لها منذ العام 1982 لتدمير هذا البلد، ظاهرها إرساء الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، وباطنها تدمير البلد وتمزيق نسيجه الاجتماعي الثقافي والعرقي والديني، لتحقيق مشروع “الشرق الأوسط الكبير” – الفوضى الخلاقة – الَّذي هو في حقيقة الأمر تجسيدٌ لنبوءاتٍ توراتيةٍ مزعومةٍ، خدمة لأسطورة “إسرائيل الكبرى”.
إنَّ ازدواجيَّة المعايير الأميركية هي ديدن المواقف السياسية للإدارات الأميركية المتعاقبة، كلَّما تعلَّق الأمر بـ”إسرائيل” أو أميركا نفسها. وما ذكر سابقاً ليس سوى غيضٍ من فيض النفاق الأميركي في التعامل مع قضايا العالمين الإسلامي والعربي.































