د. تدمري عبد الوهاب
أمام ما تتسم به السياسة الخارجية للمغرب تجاه إيران من تشدد تارة تحت ذريعة محاربة التشيع والأمن الروحي للمغاربة وللشعوب الواقعة جنوب الصحراء، كما جاء في كلمة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة امام البرلمان، وتارة أخرى لدعمها مليشيات البوليساريو في الصحراء، أو مليشيات الحوثي في اليمن التي تحملها وزارة الخارجية المغربية مسؤولية الاعتداء على كل من الإمارات والمملكة العربية السعودية، وهو ما عبرت عنه عبر بيان الإدانة، في إشارة إلى الهجوم الأخير للجيش اليمني بطائرات مسيرة و صواريخ بالستية على منشٱت حيوية داخل الأراضي اليمنية والسعودية، كرد فعل على ما ترتكبه قوات هاتين الدولتين المحتلتين لأجزاء واسعة من اليمن، من مجازر في حق الشعب اليمني تحت يافطة محاربة حركة الحوثي الشيعية المدعومة من إيران، في مقابل الدفاع عن ما تسميه الحكومة الشرعية التي تدير أعمالها من الرياض وأبو ظبي.
أمام هذا الخطاب الغير المؤسس وغير المقنع لأي متتبع لتقلبات السياسة الخارجية للمغرب تجاه إيران كدولة إقليمية صاعدة بقوة على المسرح الدولي، والتي تستثمر كل إمكانياتها وطاقاتها في تنمية قدراتها الذاتية، رغم الحصار المفروض عليها لعقود من طرف أمريكا والغرب، بضغط من الكيان الصهيوني.
يمكن القول أن الأسباب التي تسوقها الخارجية المغربية لتصعيد التوتر ضد إيران تفتقد لأي سند موضوعي يمكن ان يدفع المتببع أو المهتم بالعلاقات الدولية إلى الاعتقاد بأن ايران تشكل تهديدا للمصالح المغربية وللأمن الروحي للمغاربة. ومن اجل تسليط الضوء أكثر على هذا التوتر يجب الرجوع إلى تطور العلاقات المغربية الإيرانية منذ اندلاع الثورة الإيرانية.
إن علاقة النظام السياسي المغربي بإيران كانت متوترة منذ سقوط نظام الشاه الذي كانت تربطه بالملك الراحل الحسن الثاني علاقة وطيدة في إطار التقاطبات التي كانت تعرفها مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربيد. لكن وبعد الإطاحة بشاه إيران إثر ثورة شعبية قادها الإمام الخميني سنة 1979 وإبداء الملك الراحل استعداد بلاده لاستقبال الشاه بموازاة مع سحب سفير المغرب من طهران، دفع إيران حينها للاعتراف بجبهة البوليساريو كرد فعل على موقف المغرب من الثورة الإسلامية.
لكن رغم قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لمدة تزيد عن عقد من الزمن، لم نلاحظ أي تصعيد سياسي أو دبلوماسي في علاقة البلدين، ولم يسجل المغرب اي تفعيل لموقف إيران من قضية الصحراء، وهو ما حذا بالبلدين إلى فتح جسور التواصل من جديد سنة 1991 تعززت بعملية تبادل السفراء سنة 1993 ، بل إن الاتفاقيات التجارية بينهما تعززت بشكل كبير حتى أصبحت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أكبر مستوردي الفوسفاط المغربي.
لكن في سنة 2009 ، مع بداية التوتر الغربي الإيراني حول الملف النووي وما تلا هذا التوتر من عقوبات مجحفة في حق إيران، سيعلن المغرب من جديد عن قطع علاقاته الدبلوماسية معها على خلفية الأزمة التي نشبت بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والبحرين التي سرعان ما أعادت علاقاتها الدبلوماسية بطهران، مع إضافة عنصر تمثل في اتهام إيران بنشر المذهب الشيعي عبر سفارتها في المغرب ولدى الجالية المغربية في أوروبا، ونسوق في هذا الشأن ملف المعتقل بلعيرج، البلجيكي الجنسية، ومجموعة من النشطاء السياسيين المغاربة المنتسبين إلى المذهب الشيعي، الشيء الذي اعتبرته الرباط تهديدا للأمن الروحي للمغاربة.
لكن بما أن الأسباب الداخلية لم تكن تشكل أولوية في هذا التوتر، سيعمل المغرب من جديد على إعادة علاقاته بطهران ابتداء من سنة 2014 لتتوج بتبادل السفراء سنة 2016 ، وذلك مباشرة بعد التوقيع على الاتفاق النووي بين الغرب وإيران و بدء رفع العقوبات عنها.
لكن مع تولي دونالد ترامب الرئاسة في أمريكا وإعلان انسحابه من الاتفاق النووي سنة 2018 والعودة إلى نظام تشديد العقوبات ضد إيران، بضغط من الكيان الصهيوني وسلطنات الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية الغير الراضية بالاتفاق والتي سبق أن قطعت علاقاتها الدبلوماسية بطهران سنة 2016 ، سيعمل المغرب الذي كثيرا في قراراته السياسية خلال العقدين الأخيرين بدول الخليج، ودفعه إلى قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران للمرة الثالثة في سنة 2018 تحت ذريعة تدريب حزب الله اللبناني المدعوم من إيران عبر سفارة هذه الأخيرة في الجزائر، لعناصر من البوليساريو رغم النفي الصادر من طهران ومن حزب الله لهذه التهم، بل ستضيف الخارجية المغربية اتهام إيران بنشر التشيع في دول الساحل، الذي اعتبرته تهديدا للعمق الاستراتيجي الروحي للمغرب في هذه الدول، بعد أن كان في 2009 يشكل تهديدا للامن الروحي الداخلي للمغاربة عبر سفارتها بالرباط.
حين نتتبع العلاقات المغربية الإيرانية وما تخللها من أزمات متتابعة منذ سقوط شاه إيران، نجد أن المغرب رغم بعض المحاولات التي قام بها في تبني سياسة خارجية مستقلة عن الغرب وأمريكا أو حتى عن بعض دول الخليج، سواء عندما عمل على توطيد علاقاته بالصين وروسيا قبل أن يتراجع عنها بضغط أمريكي بعد الاعتراف التكتيكي لأمريكا بمغربية الصحراء، أو عندما رسم علاقاته الدبلوماسية بإيران سنة 2016 قبل أن يقطعها سنة 2018 ، وذلك في تزامن تام مع الضغط الغربي الأمريكي على طهران مع بداية ولاية دونالد ترامب، بالإضاقة إلى ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من استراتيجيات متصادمة بين محور المقاومة بقيادة إيران الرافض للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، والمحور الأمريكي الإسرائيلي الخليجي الذي يعمل جاهدا على إنجاح مشروع خارطة الشرق الأوسط الجديد، والذي تحاول أمريكا وبعض ممالك الخليج إظهاره بمظهر الصراع الطائفي والمذهبي السني – الشيعي بعدما انتفى مبرر محاربة الشيوعية بالنسبة للغرب والإلحاد بالنسبة للسعودية منبع التطرف الوهابي السني. هذا في الوقت الذي يعلم فيه الجميع أن جوهر الصراع يكمن بين إرادات تنزع للتحرر ورفض الخضوع للسيطرة الأمريكية والإسرائيلية، بالموازاة مع قوى أخرى تعمل جاهدة على فرض مشروعها القائم على التقسيم والتجزئة. ولعل ما نسوقه من عناصر مؤثثة لهذا الصراع يجد أسسه الموضوعية في الدعم الذي يقدمه هذا المحور بقيادة إيران لقوى محسوبة على الصف السني ضمن قوى المقاومة الفلسطينية وغيرها من القوى اليسارية، هذا بالإضافة إلى الدعم الاستراتيجي الذي تقدمه إيران للطوائف المسيحية ولدول غير إسلامية ككوبا وفنزويلا ونيكاراغوا تجمعها بهم استراتيجية تحررية موحدة، قائمة على خلفية مناهضة الهيمنة الأمريكية.
من خلال ما سبق يبدو أن ما يسوقه المغرب من أسباب قطع علاقته بطهران، في الجانب المتعلق بتهديد الأمن الروحي للمغاربة ولشعوب المنطقة الإفريقية، عبر نشر التشيع، لا يبدو مقنعا لأن التواجد الشيعي في المغرب ليس جديدا، لكنه يبقى ضعيفا، نظرا للممانعة التي يبديها المجتمع المغربي المتشبع بقيم روحية وثقافية سنية مالكية وأشعرية وطرقية.
كما أن الموروث الديني للمغاربة، ولن أقول الأمن الروحي، نظرا للطبيعة الفلسفية لهذا المصطلح الذي اختلف في تفسيره الفقهاء المسلمون منذ أن نزلت الآية على الرسول محمد ” ص ” حين سألته قريش بإيحاء من اليهود عن معنى الروح فقال في سورة الإسراء : ” قل الروح من علم ربي وما أوتيتم من العلم الا قليلا ” والروح بقيت سرا من أسرار النبوة، وقد قال فيها أهل السنة إن الله لم يعلم بها ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، لأن الله عز وجل هو من استأثر بعلمه، وحين أجابت ال اليهود” أوتينا علما كثيرا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا ” ، قال الله تعالى في سورة الكهف “لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ” ، وهو ما يجعل من الروح وأمنها علما يستأثر به الله عن خلقه، وهو القادر دون غيره على حفظها، ويجعل من الأمن الروحي مفهوما يفيض في مقاصده عن الأديان وما بالك بالمذاهب.
لم أكن مضطرا للاسترشاد بهذه الٱيات التي لا يخفى فحواها عن الجميع، لولا أنني أتقصد القول بأن ما يتهدد فعلا الموروث الفقهي والديني للمغاربة، ليس القادم من الطائفة الشيعية، بل من الطائفة السنية ذاتها خاصة من المذهب الحنبلي وتلامذته ابتداء من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب، وذلك بعد أن عملت الدولة المغربية على إنهاء دور جامعة القرويين، كأقدم جامعة في العالمين الإسلامي والمغرب الأقصى، وشرعت أبواب مؤسساتها الدينية والتعليمية للفكر السلفي الوهابي والإخواني، المسؤول عن موجة الإرهاب التي تشهدها الكثير من مناطق العالم، وهو الذي أصبح يتبوأ المرتبة الأولى على حساب المذهب المالكي وتصوف الجنيد والعقيدة الاشعرية في المغرب.
إذا كان المغرب يسعى فعلا إلى تحصين الموروث الفقهي والديني المعتدل للمغاربة، فإن آليات تحقيقه لا تتم عبر إغلاق الحدود والسفارات، وإنما بالاجتهاد الفقهي والمعرفي والتشجيع على إعمال العقل النقدي والتنويري، كون الفكر ، لا يمكن مواجهته إلا بالفكر، وليس بالترهيب والوصاية أو بغلق الأبواب.
كما أن ما تسوقه الخارجية المغربية من أسباب مرتبطة بالقضية الوطنية، فإننا نعلم الموقف الحيادي لإيران من ملف الصحراء، خاصة بعد أن أغلقت مكتب البوليزاريو في طهران عقب الزيارة التي قام بها عبد الرحمن اليوسفي في سنة 2002 ، وهو الموقف الذي حاولت الحفاظ عليه من أجل التوازن في علاقاتها بكل من المغرب والجزائر، وما نفيها رسميا لما اعتبره المغرب تورطا لسفارتها في الجزائر في دعم جبهة البوليساريو عبر حزب الله اللبناني سنة 2018 الذي نفاه بدوره، إلا تعبيرا عن إرادتها في الحفاظ على علاقات ودية بين البلدين ضمن استراتيجية الحياد التي تعتمدها وفي علاقاتها الدولية ما لم يكن هناك مس بسيادتها وأمنها القومي، وهو ما نلمسه حتى في علاقاتها مع بعض الدول المتحالفة مع أمريكا والمطبعة مع إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، والتي تجمعها بها علاقات دبلوماسية وتجارية واقتصادية مهمة بما فيها الإمارات وقطر وتركيا. كما أن واقع إيران الداخلي، الغني بأقلياته، والذي تسعى أمريكا إلى تفتيته، وكذا الحصار الذي عانت ولا تزال منه، كلها عوامل تدفعها لأن تنأى بنفسها عن النزاعات الداخلية للدول، ومؤشرا إيجابيا مهما لتوطيد المغرب لعلاقاته بها، كونها الأقرب إلى تفهم مشاكل المغرب الترابية سواء في الجنوب أو في الشمال.
خلاصة :
إن ملف العلاقات المغربية الإيرانية وطريقة تدبيرها من طرف المغرب لا يخرج مع الأسف عن القاعدة المعهودة في السياسة الخارجية المنفعلة والتابعة للمغرب، والتي يمكن تلخيصها بشكل كاريكاتوري في موقف الاعتراف المتسرع وغير المحسوب للخارجية المغربية بالمحاولة الانقلابية الفاشلة لخوان غوايدو في فنزويلا المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية ومن الغرب الأطلسي سنة 2019 ، ومن تم سحب هذا الاعتراف مع كل ما استتبعه من مجهود لمسح تداعياته.
إن ما يجعلني أستحضر هذا المثال هو حرصي على عدم خلق خصوم مجانيين للمغرب الذي عليه واجب إعمال مبدأ الاستقلالية مع الحذر اللازم في علاقاته الدولية وعدم إخضاعها لتأثير العوامل الخارجية المرتبطة بالصراعات بين الدول، وكذا تجنبه الانحياز إلى القضايا الخاسرة والغير العادلة في النزاعات الدولية، وخير دليل على ذلك هي الدينامية السياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط حاليا التي تبحث عن مخرج لحالة الاحتقان التي تشهدها العلاقات بين دوله، ابتداء بالجسور التي بدأت تفتح بين سوريا ودول المنطقة التي كان آخرها زيارة وزير خارجية عمان، المعروفة بوساطاتها الإقليمية، إلى دمشق، وبين دول الخليج بما فيها السعودية، التي طالما دعمها المغرب، وإيران بعد أن أحدثت هذه الأخيرة خرقا مهما في مفاوضات ملفها النووي مع أمريكا والغرب الأطلسي، بكل ما يتضمنه هذا الاتفاق من إعادة تطبيع للعلاقات ورفع للعقوبات الاقتصادية وانتهاء بجولة المفاوضات المباشرة بين طهران والرياض والزيارات المتتالية للإمارات للعاصمة الإيرانية.
استحضارا لكل ذلك، أود القول أنه يتوجب على الخارجية المغربية أن تتحلى قراراتها السياسية بالاستقلالية اللازمة لخدمة مصالح المغرب الاستراتيجية، وأن لا تخضع للسياسات المتقلبة لأمريكا والكيان الصهيوني أو لممالك الخليج في تدبير نزاعاتها مع الدول، بعد أن تزعزع الوضع الاعتباري لأمريكا في العالم بصعود قوى دولية وإقليمية جديدة كالصين وروسيا وايران إلخ … المعروفين بمناهضتهم لمشاريعها الهيمنية .































