ووري التراب أحد الأعلام البارزين الذين تركوا بصمات واضحة في الجامعة المغربية، ممن أرسوا الأسس الأولى للدرس السوسيولوجي بالمغرب، الرجل الذي كان يجمع- بحسب شهادة رفاقه وطلبته- بين دماثة الخلق، والنزوع الإنساني العميق، والولع بالمعرفة، وترسيخ الدرس السيوسيولوجي، بقواعده ونظرياته ومناهجه وكتبه المرجعية، في نفوس الطلبة والمهتمين.
لكن الرجل، الذي تشرب على يده العشرات من الباحثين قيم البحث والمعرفة العلمية، واكتسب منه العديد آلية البحث الميدان في القضايا الاجتماعية اليومية، وتربى على يده سياسيون زرع فيهم هم النضال العضوي، هذا الرجل، بهذه المواصفات الكبيرة، ظل لفترة طويلة خارج الضوء.
لا ندري بالضبط ما الذي جعل رجلا بهذه السيرة الثقيلة يعانق هذا الجفاء ليس فقط من دائرة الانتماء الذي ظل يعتز به، ولكن أيضا من محيطه العلمي والأكاديمي.
ربما يرجع ذلك في جزء منه إلى ورع الرجل وزهده في الكتابة، فالأمر ليس حكرا عليه، وإنما هي خصيصة المغاربة منذ التاريخ، لكن الأجيال التي تربت على هذا الرجل، ومنها مثقفون وباحثون مشهورون، لا يعدمون القدرة على إحياء درسه السوسيولوجي وجمع آثاره وخدمة تراثه، فهذا أقل الوفاء الممكن في حق هذا الرجل، فكثيرة هي المؤسسات التي تقام لخدمة تراث مفكرين ابتلاهم الله بقلة الكتابة، أو سياسيين ندر بعض الباحثين أنفسهم لخدمة آرائهم وإعادة صياغتها وتقديمها إلى الأجيال القادمة. فما بال هذا الرجل، لم ينل من ذلك شيئا مع أنه جمع بين المعرفة والسياسة، بين علم الاجتماع والنضال الحزبي.
مثل هؤلاء الذين يتيسر لهم الأمران، العلم والسياسة، يفترض أن يخدموا من الزاويتين معا: الحزبية والأكاديمية، وأن توضع في رأس الأولويات النهوض بتراثهم وجهودهم المعرفية، وأن تكون نبراسا يهتدي بها الأجيال، لاسيما الذين يقاسمونه الانتماء.
هناك مشكلة ما، تفسر هذا الجفاء وقلة الوفاء، وهي غير بعيدة عن مشكلة المثقف السياسي، الذي يرى الأمور بطريقة مخالفة تماما للسياسي الاحترافي. تلك المشكلة التي تحتاج اليوم أن تجد تدبير توترها بصيغة ما تحفظ للمثقف دوره ومجاله وحريته، وتستثمر فيه قدرته على التأطير وبناء قيم النزاهة الفكرية، ووصل السياسة بعمقها الفكري والنظري، ودرجة يقظته العالية حينما تشتد المآزق والمعضلات، وتجعل من وجوده وفعاليته دليل حياة التجمعات الحزبية.
هناك بعض التنظيمات نجحت في أن تعطي مساحات واسعة للمثقف داخل بنيتها الحزبية، كما أن هناك مثقفين عرفوا كيف يتكيفون مع نسق اشتغال التنظيمات الحزبية، فأنتج التنظيم والمثقف صيغا لا واعية من التعايش والتوافق خدمتهما معا، وهناك في المقابل تنظيمات انزعجت من المثقفين ومارست عليهم ستالينة قاسية قادتهم إلى هجرة السياسة أو هجرة السياسة بإطارها الحزبية
مشكلة الجفاء، أو التهميش، أو قلة الوفاء، سمها بأي الأسماء شئت، هي مشكلة مزدوجة، تظهر في إحدى جوانبها في صورة عدم ارتياح المثقف من الأشكال الاحترافية التي تدار بها التجمعات الحزبية، وتبرز في جانبها المقابل، بانزعاج السياسي من ثقل حضور المثقف في البناء الحزبي، ولعل هذا بالضبط ما يجعل النتيجة تنتهي في الأخير في اتجاه عزلة أو عزل المثقف، تماما كما هو المصير الذي عاشه مثقفون كثر داخل تنظيماتهم الحزبية، ومنهم بدون شك مؤسس الدرس السوسيولوجي.
نأمل أن يأخذ سؤال العلاقة بين المثقف والتنظيم حظه من التداول، وأن يتم تأطير هذا الإشكال بما يلزم من العناية، ليس فقط من تأمين موقع للمثقف داخل تنظيمه الحزبي، ولكن من أجل حماية السياسة وتحصينها من أن تصبح من غير عمق فكري أو تأطير نظري يعطيها معناها الحقيقي.






























