يواصل الدكتور محمد أونيا، إسهاماته العلمية الرامية إلى تفكيك الصور النمطية التي لحقت بتاريخ الريف وسكانه، ضمن مشروع بحثي طويل النفس يستند إلى وثائق أرشيفية وقراءات سوسيولوجية متعددة الأبعاد، فبعد كتابه “عبد الكريم الخطابي وأسطورة الانفصال”، عاد أونيا قبل أيام بإصدار علمي جديد بعنوان: “إبقوين وقضية القرصنة البحرية بين الحقيقة والافتراء”، ليعزز مساره الأكاديمي في مساءلة السرديات الاستعمارية التي طالت المنطقة
يحمل المؤلَّف عنوانًا فرعيًا كاشفًا “دراسة سوسيو- تاريخية حول القبيلة والساحل والتدخل الأوروبي في ريف ما قبل الحماية”، ما يضع القارئ أمام تصور أوّلي لمنهجية الكتاب ومجاله، وبناءً على هذه المؤشرات، يمكن القول إن الإصدار يندرج ضمن خط بحثي دأب أونيا على تطويره، ويهدف إلى إعادة تركيب الرواية الريفية من الداخل، عبر مساءلة المفاهيم التي استُعملت لأهداف معينة، وعلى رأسها تهمة “القرصنة البحرية” التي وُصمت بها قبائل ساحلية، خصوصًا قبيلة إبقوين.
من خلال اعتماد منهج يجمع بين التحليل التاريخي والمقاربة السوسيولوجية، يسعى أونيا، كما توحي عناصر الكتاب الأولية، إلى تفكيك خطاب الهيمنة الاستعمارية، وإعادة الاعتبار للأدوار الاجتماعية والاقتصادية التي اضطلعت بها القبائل الساحلية، باعتبارها فاعلًا محليًا يتفاعل مع البحر كامتداد طبيعي لمجاله، لا كمنصة تهديد كما صوّرتها السرديات الأوروبية.
وقد جاء هذا الإصدار تتويجًا لمسار أكاديمي انطلق منذ تسعينيات القرن الماضي، إذ يُعد هذا العمل في أصله أطروحة دكتوراه قدمها محمد اونيا سنة 1994 بجامعة Aix-en-Provence بفرنسا، تحت عنوان “إبقوين: مساهمة في دراسة التاريخ الاجتماعي للريف ما قبل الاستعمار (1860–1912)”
ويبدو من الغلاف، الذي يتصدره مشهد بحري عنيف يوحي بالصورة النمطية التي التصقت بسكان السواحل الريفية، أن المؤلف يراهن على قلب هذه الصورة انطلاقًا من قراءة أرشيفية ووثائقية تكشف كيف ساهمت القوى الأوروبية في تشويه هذا التمثُّل خدمةً لمصالحها التوسعية، فهذا المشهد مدخل بصري يؤطر السردية التي يتحدى المؤلف من خلالها الرواية الكولونيالية.
ويمضي أونيا في تفكيك تمثلات “التهديد البحري” التي صاغتها تقارير القناصل وكتابات الاوروبيين، مبرزًا تحوّلها إلى أدوات للتأليب السياسي والعسكري، إنها محاولة يراهن فيها المؤلف على قلب هذه الصورة انطلاقًا من قراءة أرشيفية ووثائقية لرد الاعتبار لجماعات كانت تتفاعل مع المجال البحري بمنطق الدفاع عن المصالح، لا بمنطق الفوضى.
ويكمل هذا الإصدار مسارًا علميًا بدأه الدكتور أونيا قبل سنوات، خاصة من خلال كتابه الصادر سنة 2018 بعنوان “عبد الكريم الخطابي وأسطورة الإنفصال (1921–1926) حفريات نقدية في خطاب الجمهورية الريفية”، عن مطبعة الخليج العربي بتطوان، وقد شكّل هذا الكتاب مساهمة بارزة في مساءلة الخطاب الذي ربط نضال الريفيين بفكرة “الانفصال” عن الدولة المركزية، في محاولة لإعادة قراءة تلك المرحلة من داخل سياقها.
ويؤكد العديد من المهتمين أن الإصدار الجديد يُشكل إضافة لحقل الدراسات الريفية، خاصة في ظل قلة الأبحاث التي تنطلق من داخل البنية السوسيو- ثقافية للمنطقة، عوض الاقتصار على المقاربات المالوفة أو التعميمات الخارجية، فهو يُعيد الاعتبار للذاكرة المحلية بوصفها مصدرًا للمعرفة، لا مجرد رواية فرعية في سرديات كبرى.
بهذا الزخم العلمي المتواصل، يرسّخ الدكتور محمد أونيا مكانته كأحد أبرز الباحثين المغاربة المتخصصين في تاريخ الريف، حيث يراهن على مقاربة علمية دقيقة تنفتح على الأرشيف، وتُعيد الاعتبار لسرديةٍ طالما حُجبت خلف غبار الاستعمار وزيف الخطاب الكولونيالي.






























