بقلم عبد العزيز حيون
ينبش الإصدار الجديد للدكتور الأكاديمي محمد ابن عياد، بمقاربة علمية رصينة وتدقيق بارع ونظرة نقدية ثاقبة، في مقدمات الشعر العربي الحديث والمعاصر لسبر أغوار هذا النوع من الكتابة الأدبية من مختلف زوايها وصيغها اللغوية وكمادة فكرية ونقدية تمكن من الاطلاع على اهتمامات الشعراء السوسيوثقافية والسياسية والمعرفية وخلفياتهم المرتبطة بزمن الإبداع وحيثياته .
والمقدمات التي تضمنها المؤلف الموسوم ب”مقدمات الشعر العربي الحديث والمعاصر (دواوين، أعمال كاملة، منتخبات، تذييلات)”، الذي صدر مؤخرا للناقد محمد ابن عياد عن منشورات بيت الحكمة بتطوان، ترصد سياقات الكتابة التاريخية والأدبية والثقافية إبان صدور الإبداعات المعنية، وهي تنقل أنماطا من تقاليد تقديم الدواوين، كرؤى ثقافية ونقدية وأساليب بل وأمزجة واعتبارات إنسانية وإجتماعية وغايات نفسية وتجارية أحيانا وتلميحات مخصوصة وانشغالات حياتية وإيديولوجية وسياسية .
كما ترصد المقدمات، التي قلما يتم التطرق إليها في البحوث العلمية والأكاديمية، طبقات المعنى المضمنة في الشعر المعني و ملابسات الكتابة وظروفها وحوادث لصيقة بزمن الكتابة ليصبح صوت الشعراء النقدي الداخلي واضحا ونابعا من مقدمات دواوينهم قبل مقالاتهم أو كتبهم التي أصدروها، وبالتالي تكون الإحاطة بالإصدار وسياقاته أكثر عمقا مع ضبط محددات اللحطة الإبداعية في كل تجلياتها الفكرية .
ومن تم تصبح المقدمات، وفق مضمون المؤلف الجديد للباحث المجتهد ابن عياد، صنعة إبداعية وصوتا نقديا أو فكريا يسعى فيه الشعراء ،من القدامى والمعاصرين على حد سواء، الى أن يكون أكثر انسجاما مع أشعارهم وخطهم الفكري والإبداعي، وكأن المقدمات جدران عالية لحماية شعرهم من كل نقد لاذع قبل أن تكون خوضا في النقد وقضاياه زمن نشر الإبداعات على اختلاف مضامينها وموضوعاتها ومنطلقاتها .
وكتاب الدكتور محمد ابن عياد يعطي دليلا علميا رزينا على أن نصوص المقدمات ليست مجرد لحظة زمنية سابقة لمضمون الكتاب أو الديوان، بل هي علامات أدبية ونقدية عميقة وفارقة لها ميسمها المتفرد، ولها أيضا تراكيبها وسبلها الحجاجية وغاياتها الخاصة ومعجمها الذي يعكس صورة أخرى لثقافة الشعراء النقدية والأدبية وقراءاتهم وتكوينهم الثقافي العام، فضلا عن سياقات كتابة المقدمة في حد ذاتها أحيانا، وما يصاحبها من أحداث ووقائع تبصم الكتابة بمؤثراتها لدى بعض الشعراء أو من قدم لهم الدواوين الفردية أو الأعمال الكاملة .
ويوضح المؤلف، بالإثبات العلمي الرصين والنظرة الثاقبة والصائبة، كيف تنقل نصوص المقدمات حياة ثقافية أخرى محايثة لنصوص الدواوين، نادرا ما كان يلتفت إليها، في علاقتها مع نصوص الديوان ؟، وكيف تشكل مادة خصبة لمعرفة طريقة تشكل الشخصية النقدية لدى بعض الشعراء؟، كما تقدم أخرى صورة عن الحياة الشعرية والنقدية زمن نشر الديوان وعندما تذوب شخصية الشاعر في المقدمة ولا يستطيع الإنفلات من عقال طريقته الفنية في كتابة الشعر، أو عندما يتخذ الشاعر من مقدمة الديوان بيانا نقديا يرسخ مذهبه في الشعر وإنتماءه الأدبي المصنف .
كما ينبهنا المؤلف الجديد،عبر تمحيص وتحقيق علمي دقيق، الى أن الكثير من الشعراء يتخذون من مقدماتهم فرصة للدفاع عن نزعة التجديد لديهم،أو قد يتماهى كاتب المقدمة مع صاحب الديوان ليتعاطف مع تجربته الشعرية أو يبرز شغفه العام بالحياة الأدبية والنقدية، ويقدم دراسة تحليلية عميقة يمكن الإحاطة بمضمون الإبداع وأفقه ووظيفته وأبعاده ومذاهبه و”أسباب نزول ” المؤلف الذي قد يكون له سياق خاص قبل السياق العام .
كما ينبه إصدار الدكتور ابن عياد من الدارسين والمؤرخين والباحثين والأكاديميين الى أن المقدمات لا ينحصر مضمونها في التعريف بالمؤلف الشعري، وإنما يتجاوز ذلك الى طرح نظرات نقدية في الشعر أو الكشف عن موقف أدبي ما وملابسات الكتابة الشعرية، ويحيلنا كذلك على النقد الموازي الذي ينشر إبان صدور الديوان، إضافة الى وظيفة المقدمات الفكرية لمد جسر ينقل فيه الشاعر وجعه الإنساني والثقافي العام بلغة نثرية “قوية” بمواقفها السياسية أو الفكرية وأحيانا “غنية ” في مطارحاتها الثقافية والفلسفية ،وهي توضح مالا يمكن أن يقال شعرا .
ويتفرد الكتاب، الذي صمم غلافه البديع الفنان أحمد البقالي ،بمنهجية خاصة في الجمع والإعداد والتصنيف والتنظيم مع الإبقاء على عناوين المقدمات كما هي في الأصل من باب الأمانة العلمية، وترتيب يحترم البعد الزمني وتاريخ الكتابة أو مرحلة حياة الشاعر المعني، وتاريخ طبع الدواوين، حتى يكون من السهل الإطلاع على واقع ومحيط الشاعر القريب والبعيد .
الكتاب يضم بين دفتيه أيضا أنماطا مختلفة من المقدمات وخلفيات مضامينها وغاياتها النقدية والأدبية وحسها اللغوي، حتى يقف القارئ والمتتبع المهتم على مختلف أشكال “الكتابة المقدماتية” في الشعر العربي الحديث والمعاصر، مع الأخذ بعين الاعتبار إنفلات خطاب المقدمة “النص المعيار” وصعوبة حصره في نمط محدد لاختلافات غايات الشعراء والكتاب من هذه العتبة التي تحفل بأسرارها الجمالية وأسسها الفنية والفكرية والحجاجية الجديرة بالدرس والإطلاع والاهتمام .
واعتبر الكاتب أن أهمية المقدمات المعنية التي يتضمنها المؤلف تكمن في أنها تلامس وتحدد معالم سياقات الكتابة التاريخية والأدبية والثقافية إبان صدور الديوان، كما تنقل أنماطا من تقاليد تقديم الدواوين كرؤى ثقافية ونقدية وأساليب وأمزجة واعتبارات إنسانية واجتماعية وغايات نفسية وملابسات الكتابة وغاياتها الخاصة ومعاجمها، وقد تذكرنا بوقائع لصيقة بزمن الكتابة، والتي تمنح إمتاع خاص لدى القارئ وأدوات جديدة تفيده في نحت اللغة.
ولعل من فوائد المقدمات، وفق ما ألمح إليه الباحث، أنها توفر مادة خصبة لمعرفة طريقة تشكل “الشخصية النقدية” لدى بعض الشعراء وطريقتهم الفنية في كتابة الشعر، إضافة الى أنها تقدم لنا نصوصا أدبية قلما ينتبه إليها القارئ العادي وحتى الباحث، وهي التي تضيف إلينا المتعة الأدبية والفكرية وتحيلنا على أشياء قد لا ننتبه إليها .
وليس دائما ما تكون المقدمات كذلك بحمولتها الممتعة، بل وتكون حبلى ،حسب الكاتب، بأسئلة عصر الشاعر، بسلبياته و إيجابياته، وما يموج به من حوارات نقدية معلنة أو متوارية أحيانا وبيانات قدحية لسجالات نقدية، مما يدفع الباحث لأن يهتم بزمن المقدمة وطبيعة متلقيها في مرحلة من المراحل الثقافية المعنية بالابداع وعوالمه النقدية المحيطة وخصوصية النص العربي وسياقات إنتاجه .
وفي هذا السياق، دعا الكاتب الى تأصيل قراءة المقدمات من داخل النصوص العربية وتمكينها من فضاء أوسع في البحث العلمي المختص، والإشتغال أكثر على خطاب المقدمات لتوسيع مجال الدراسات النقدية لتجنيس الخطاب وتصنيفه في معارف وأنواع أدبية وفكرية مختلفة، وكذلك البحث في خصائصه الثابتة والمتغيرة، وأيضا في أنماطه ووظائفه وخصوصياته الإبداعية والنقدية وعلاقته بالوعي النقدي وبالوعي الجماعي العام .
وسبق للكاتب أن ساهم في إغناء المكتبة العربية والمغربية على وجه التحديد بكتابين، ركز الأول، الذي يحمل عنوان “الشعرية العربية الحديثة :التفكير النقدي في بيانات ومقدمات الدواوين”، على أسس التفكير النقدي في مقدمات الدواوين المشرقية من حيث أسئلته النقدية والأدبية الكثيرة التي تكشف عامة عن مكابدات الشاعر ومنطلقاته الفكرية وسياقات إنتاجه للنصوص وتلقيها وقدرته على استبطان روح الشعر وتوليده للمعاني والصور والأساليب، كما تنطبع في المخيلة الذاتية .
ووقفت فقرات من الكتاب عند مدى إستفادة الإبداعات المعنية من التراث النقدي العربي والملامح النقدية الغربية وسبل المعالجة النقدية، ووشائج التواصل بين القديم الأصيل والحديث المستحدث، وكيفية تحول نظرية المعرفة في سياقاتها المختلفة، ومفهوم الشعر وتحولاته المختلفة اللغوية والنفسية والاجتماعية والأدوات التعبيرية ذات الصلة .
فيما اهتم الكتاب الثاني، المعنون ب”خطاب المقدمات في الشعر المغربي الحديث والمعاصر: دراسة في أنساق الخطاب الحجاجية (النقد والمنهج والفن) “، بمقدمات دواوين الشعر العربي الحديث والمعاصر وخصائص النوع الادبي من داخل النصوص المدروسة وليس عبر إسقاطات نظرية تمتح مفاهيمها من أدبيات التقديم في التراث العربي، وما واكب ذلك من الدراسات العربية الحديثة حول مقدمات الكتب أو من الدراسات الغربية في هذا المجال .
كما تناول الإصدار الثاني البعد المعرفي للمقدمات، الذي راوح، من وجهة نظر الأكاديمي ابن عباد، مكانه بين البعد النقدي الرصين والبعد الوصفي السطحي الذي لا يلامس من المتن الشعري إلا عناوينه وبعض أفكاره، دون الحديث عن أهمية المقدمات كصفحات إبداعية مسعفة في التأريخ للحركة النقدية العربية والمغربية بشكل خاص مع مواكبتها لأسئلة النقد والشعر والإبداع عامة بمختلف أصنافه في زمن النشر. واعترف الكاتب أن نتائج الدراسات الخاصة بالمقدمات تبقى “غير نهائية ” مادامت عملية التأليف مستمرة ومتجددة بتجدد الحياة الأدبية، وبالتالي لا يمكن الحديث عن نظرية أحادية حول الخطاب، خاصة وأن البعد المعرفي للمقدمات راوح مكانه بين البعد النقدي الرصين والبعد الوصفي السطحي الذي لا يلامس من المتن الشعري إلا عناونيه وبعض أفكاره باستثناء بعض المقدمات النقدية الجادة بضمونها الفكري المسعف في التأريخ للحركة النقدية المغربية على وجه التحديد والعربية بشكل عام مع مواكبتها لأسئلة النقد والشعر في زمن نشرها .
وتبقى الغاية الأسمى للكاتب من جمع المقدمات وتصنيفها وتبويبها وتقديمها، وفق منطوقه، هو تيسير سبل البحث عنها وتقريبها للباحثين في ظل صعوبة البحث عن المادة العلمية وامتدادها الجغرافي الشاسع وتقلص نشر الكتاب وإحجام الكثير من الشعراء عن إعادة طبع دواوينهم أو أعمالهم الكاملة، وإنحسار كثير من الدواوين في طبعتها الأولى، بل وحذف المقدمات الأصلية واستبدالها بأخرى .






























