الغبزوري السكناوي
لم تمرّ أحداث العنف الأخيرة التي استهدفت مهاجرين مغاربة في بلدة “تورّي باشيكو” التابعة لمقاطعة مورسيا الإسبانية دون رد فعل من الجانب المغربي، حيث أطلقت عدة مؤسسات رسمية وهيئات مدنية مغربية، سواء داخل التراب الوطني أو في الخارج، سلسلة من التحركات الرامية إلى حماية الجالية وفضح ممارسات التحريض والكراهية، مع تحميل الجانب الإسباني مسؤولية توفير الأمن وضمان عدم تكرار هذه الوقائع المقلقة.
في هذا الإطار، أصدرت القنصلية العامة للمملكة المغربية بمورسيا بيانًا أعربت فيه عن “الانشغال البالغ” إزاء الاعتداءات التي استهدفت مواطنين مغاربة وممتلكاتهم، مجددة التأكيد على دعمها المطلق للجالية المغربية، وتواصلها الدائم مع السلطات الإسبانية المعنية من أجل اتخاذ الإجراءات الضرورية لضمان أمن وسلامة المواطنين المغاربة، والحد من التوترات المتصاعدة. وأكدت القنصلية أنها على اتصال مباشر بالضحايا، وتتابع تطورات الملف في أبعاده القانونية والأمنية.
على المستوى المؤسسي، أصدر مجلس الجالية المغربية بالخارج بيانًا قوي اللهجة أدان فيه “كل الممارسات العنصرية”، ودعا السلطات الإسبانية إلى الوفاء بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان، معتبراً أن أحداث تورّي باشيكو “تكشف عن هشاشة التعايش في بعض المناطق، وعن الحاجة إلى استراتيجية اندماج فعلية وعادلة، تحصّن المهاجرين من استغلالهم كوقود انتخابي”.
وفي الوقت الذي تحركت فيه المؤسسات الرسمية، دخلت عدد من الجمعيات المغربية العاملة بإسبانيا على خط الأزمة، من أبرزها الجمعية المغربية لإدماج المهاجرين، التي أطلقت حملة تعبئة داخل الأحياء المغربية بمورسيا. ودعت الجمعية في بيان لها إلى التزام الهدوء، والابتعاد عن الاحتكاك المباشر، مع التأكيد على ضرورة توثيق أي تجاوزات قانونية وتقديم شكاوى رسمية لدى السلطات المختصة. كما أعلنت عن تشكيل لجنة دعم قانوني لمواكبة الضحايا ومرافقتهم أمام القضاء.
وتعزز هذا الموقف بتحركات هيئات مدنية مغربية في أوروبا، خاصة بفرنسا وهولندا وبلجيكا، حيث عبّرت جمعيات مثل “المبادرة المغربية لحقوق الإنسان” و”المنتدى الأوروبي للمغاربة” عن تضامنها مع الجالية في إسبانيا، مطالبة بوقف مسلسل التحريض المنظم الذي يستهدف المغاربة، ومنددة بتراخي بعض وسائل الإعلام الإسبانية في مواجهة خطاب اليمين المتطرف، الذي لا يتورع عن استعمال لغة عنصرية ضد فئة بعينها.
وفي هذا السيلق عبّرت الجمعية المغربية الإسبانية للاندماج والتضامن عن قلقها الشديد، محذّرة من “انزلاق اجتماعي قد يعصف بعقود من التعايش”. وقال رئيسها، الناشط المدني يوسف البقالي، إن ما يجري في بلدة “تورّي باشيكو” هو نتيجة “تراكم خطابات الكراهية غير المضبوطة، وتوظيف الهجرة سياسياً خلال الحملات الانتخابية”، مشددًا على أن الأمن لا يمكن أن يعوّض غياب رؤية مجتمعية دامجة
وعلى صعيد المجتمع الرقمي، كانت مواقع التواصل الاجتماعي منبرًا لنقاش حيّ في صفوف المغاربة داخل إسبانيا وخارجها. فقد امتلأت الصفحات والمجموعات بتدوينات غاضبة، ومقاطع فيديو توثّق مشاهد الاعتداءات، إلى جانب رسائل التضامن مع الجالية، والدعوة إلى اتخاذ موقف رسمي واضح من الدولة المغربية، لا يكتفي بالتطمين، بل يشمل التحرك عبر القنوات الدبلوماسية متعددة الأطراف، خصوصًا في إطار الشراكة المغربية–الإسبانية.
في هذا الإطار، اعتبر عدد من النشطاء المغاربة أن هذه الاعتداءات ليست “أحداثًا معزولة”، بل تعبير عن تصاعد غير مسبوق لخطاب الكراهية والشيطنة ضد المهاجرين، في ظل صعود أحزاب يمينية متطرفة تتبنى خطابًا تحريضيا مكشوفًا، مستغلة ظروف الأزمة الاقتصادية، وتراخي بعض الحكومات المحلية في الرد على التحريض. واعتبر الصحفي المغربي المقيم بمدريد، حسن باحو، في تدوينة له، أن “الدفاع عن الجالية المغربية اليوم هو دفاع عن صورة المغرب ذاته، وعن أبنائه الذين هاجروا بكرامة، ويدفعون ثمن خطاب سياسي حاقد لا علاقة له بالقانون أو القيم الأوروبية”.
ورغم أن الأحداث لا تزال قيد التحقيق من قبل السلطات الإسبانية، فإن الموقف المغربي في مجمله يُظهر حرصًا مزدوجًا: من جهة على ضمان أمن الجالية والوقوف بجانبها في الميدان، ومن جهة أخرى، على عدم الانزلاق في مواجهة دبلوماسية حادة مع مدريد. فالمغرب يراهن في الوقت الراهن على الدبلوماسية الهادئة، والمرافعة الحقوقية، والتعبئة المجتمعية داخل إسبانيا، لتأطير الجالية وحمايتها، دون تأجيج الوضع أو إعطاء مبررات إضافية لخطاب الكراهية.
لكن، وبحسب مراقبين، فإن هذا النهج المتزن يجب أن يتعزز بخطة شاملة لمواكبة المغاربة المقيمين بالخارج، من خلال دعم جمعياتهم، وتنشيط آليات الوساطة الاجتماعية، وضمان الترافع المؤسساتي في قضايا التمييز والعنصرية، خاصة في ظل تنامي النزعات الشعبوية في أوروبا، وتحوّل الجاليات العربية إلى ضحايا محتملين في كل توتر داخلي.































