أصدرت مجلة Atalayar الإسبانية عددًا خاصًا بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، خصصته بالكامل لتسليط الضوء على المسار التنموي والإصلاحي الذي يشهده المغرب بقيادة الملك محمد السادس، مع تناول معمق للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها المملكة خلال العقدين الأخيرين. ويأتي هذا العدد في سياق اهتمام متزايد من الإعلام الإسباني بالمغرب، سواء على مستوى المتابعة اليومية أو من خلال الملفات التحليلية الموسعة التي ترصد موقعه الإقليمي ودوره المتنامي في محيطه المتوسطي والإفريقي.
ضمّ هذا العدد مساهمات من مجموعة من الباحثين والمحللين والخبراء الإسبان، إضافة إلى كتاب مغاربة قدموا قراءات متنوعة لمسارات الإصلاح والتحديث بالمملكة. وقد تميزت المداخلات بتركيزها على ما وصفته المجلة بـ”الخصوصية المغربية”، باعتبارها نموذجًا يزاوج بين الطابع السيادي في القرار السياسي والانفتاح المتدرج على محيط دولي متغير، في ظل التحديات المرتبطة بالأمن والهجرة والتحولات الجيو-طاقية.
من بين الأسماء التي شاركت في هذا العدد الخاص، نذكر كلًا من الكاتبة والخبيرة في العلاقات الدولية “آنا لافوينتي”، والصحفية والباحثة “سونيا مورينو”، بالإضافة إلى المغربية كوثر كريفي، والمحللة السياسية سارة زنيبر. وقد تناولت مقالاتهن قضايا متعددة مثل الحركية الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية، وتحول الدبلوماسية المغربية نحو مقاربات تنموية، وتعزيز دور المرأة، فضلاً عن مواكبة الأوراش الكبرى كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومشروع الحماية الاجتماعية الشاملة.
كما خصّ الكاتب البيروفي ‘ريكاردو سانتشيث سيرا” العدد بمقال تحليلي حول الإنجازات التي حققها المغرب خلال 26 عامًا من حكم الملك محمد السادس، مستعرضًا مشاريع بنية تحتية ضخمة مثل ميناء طنجة المتوسط والقطار فائق السرعة “البراق”، والتي شكلت رافعات تنموية عززت مكانة المغرب الإقليمية والدولية. كما أشار إلى الدور المتنامي للمملكة في القضايا الجيوسياسية، والدعم الدولي لخطة الحكم الذاتي في الصحراء، وعودة المغرب القوية إلى الاتحاد الإفريقي، بالإضافة إلى تعزيز التعاون جنوب–جنوب.
وفي نفس العدد أكد المحلل المغربي سعيد تمسماني على أن المغرب وصل إلى منعطف حاسم يتطلب تعزيز العدالة المجالية والاجتماعية، مشيرًا إلى أن خطاب العرش الأخير وضع خارطة طريق للتنمية المندمجة، مبنية على أربع أولويات رئيسية: تعزيز التشغيل المحلي، ضمان ولوج عادل للخدمات العمومية، إدارة الموارد المائية وتكييف السياسات الوطنية مع خصوصيات الأقاليم. وأكد تمسماني أن تفعيل الجهوية المتقدمة لم يعد خيارًا بل ضرورة لتحقيق العدالة وتوطيد الثقة بين الدولة والمواطن
وسلطت المجلة الضوء على البعد الإفريقي في السياسة الخارجية للمغرب، وعلى محورية ملف الصحراء في إعادة تشكيل علاقات الرباط مع عدد من العواصم الدولية، وعلى رأسها مدريد وباريس وواشنطن. كما تناولت المقالات التحول الكبير الذي عرفته البنية التحتية بالمغرب، خاصة في مجالات الطاقة المتجددة والنقل والرقمنة، في ظل طموح نحو تموقع جديد ضمن سلاسل القيمة العالمية.
وقد خصصت المجلة افتتاحيتها للحديث عن “نموذج الاستقرار المغربي” في منطقة تتسم بعدم اليقين والتقلبات، مشيرة إلى أن فهم ما يجري في المغرب يفرض على الصحافة الإسبانية تجاوز الصور النمطية والانفتاح على تعقيد المشهد الداخلي، بما في ذلك مسارات الإصلاح السياسي، والتحديات الاجتماعية، وإرادة التحديث المستمرة. كما دعت المجلة إلى “نقاش هادئ ومسؤول” بين الإعلاميين الإسبان والمغاربة، يقطع مع مقاربات الإثارة، ويؤسس لتعاون معرفي وثقافي متين.
ويأتي هذا الإصدار الخاص ليعزز الحضور الإعلامي المتزايد للمغرب في الصحافة الإسبانية، والذي لم يعد يقتصر على التغطية الخبرية اليومية، بل بات يشمل اهتمامًا أوسع بتحليل الديناميات الداخلية للمملكة. وفي هذا السياق، يبدو أن التجربة المغربية، بما تحمله من تعقيدات وخصوصيات، باتت تشكل مادة تستحق المتابعة والدراسة لدى فاعلين وصناع رأي في الضفة الأخرى من المتوسط































