فند باحثون في الآثار والجينات، خلال ندوة علمية في طنجة، روايات تاريخية تنسب الأمازيغ إلى أصول يمنية، مستندين إلى دراسات حديثة تظهر استمرارا جينيا لسكان شمال إفريقيا يعود إلى نحو 15 ألف سنة.
وقال الباحث في علم الجينات زين العابدين أوراغ إن “الدراسات الجينية تؤكد أن المغرب عرف استمرارية للمكونات الجينية منذ عهد تافوغالت قبل حوالي 15 ألف سنة إلى يومنا هذا”. وكان أوراغ يتحدث ضمن ندوة بعنوان “المغرب في مرآة الاكتشافات الأركيولوجية الجديدة”، نظمت في إطار الدورة العشرين لمهرجان “ثويزا”، بمشاركة باحثين في علم الآثار والأنثروبولوجيا والجينات. وتعارض هذه المعطيات الرواية التي نسبت الأمازيغ، على مدى قرون، إلى جماعات بشرية قدمت من المشرق، وخصوصا من اليمن، وهي فرضية تداولتها بعض كتب التاريخ والأنساب القديمة في تفسير أصل سكان شمال إفريقيا.
وقالت الباحثة في علم الآثار عائشة بيكليمن إن تحاليل جينية أجريت على رفات بشرية في موقع “إفري نعمرو أوموسى”، المؤرخ بنحو 5400 سنة قبل الميلاد، أظهرت صلات جينية مع ساكنة مغارة تافوغالت بشرق المغرب، التي يعود تاريخها إلى نحو 15 ألف سنة. وأضافت أن أبحاثا جينية وأنثروبولوجية شارك فيها متخصصون في الأنثروبولوجيا القديمة توصلت إلى أن “هؤلاء هم السكان الأصليون لشمال إفريقيا”.
وتتيح هذه النتائج تتبع وجود مكونات سكانية محلية في المنطقة إلى فترات أقدم بآلاف السنين من التحركات البشرية التي ربطت بها الروايات التاريخية أصل الأمازيغ.
ولا تنفي الدراسات تعاقب هجرات واختلاطات بشرية على شمال إفريقيا، إذ قال أوراغ إن الموقع الجغرافي للمغرب على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط جعله مجالا لتفاعل ثقافات ومكونات مختلفة. وأوضح أن ذلك يساعد على فهم “الانصهار والذوبان لجميع الثقافات المتعاقبة على المغرب في نسيج اجتماعي وحضاري منسجم”، مع استمرار مكونات جينية محلية قديمة. وتأتي هذه المعطيات ضمن سلسلة من الاكتشافات الأثرية التي أعادت خلال السنوات الأخيرة طرح موقع المغرب في التاريخ القديم للإنسان.
وقال عالم الآثار والأستاذ الباحث بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث يوسف بوكبوط إن اكتشافات أركيولوجية “استثنائية” توالت في المملكة منذ سنة 2017، وجعلت المغرب محط اهتمام علمي وإعلامي دولي. ومن أبرزها بقايا الإنسان العاقل المكتشفة في جبل إيغود، والتي يعود تاريخها إلى نحو 315 ألف سنة.
كما أشار بوكبوط إلى اكتشاف حلي قديمة في مغارة بيزمون بالصويرة، وأدوات مرتبطة بصناعة الملابس والنسيج في محيط تمارة يعود تاريخها إلى نحو 120 ألف سنة. وقال إن هذه المكتشفات تؤكد أن المغرب احتل “مكانة محورية في تطور البشرية وإنتاج الحضارة وانتشارها عالميا”، معتبرا أنها تدحض نظريات قديمة كانت تصور شعوب شمال إفريقيا باعتبارها غير قادرة على إنتاج الحضارة.
وتعزز نتائج الأبحاث الجينية الحديثة هذا التحول في دراسة تاريخ سكان المنطقة، بعدما أصبح تحليل الحمض النووي المستخرج من الرفات القديمة يتيح مقارنة الجماعات البشرية التي عاشت في شمال إفريقيا خلال فترات زمنية متباعدة.
وتشير المعطيات التي عرضها الباحثون في طنجة إلى وجود استمرارية جينية تمتد من جماعات تافوغالت القديمة إلى مراحل لاحقة، بالتوازي مع ما عرفته المنطقة من اختلاطات بشرية متعاقبة.
وتضع هذه النتائج رواية المنشأ اليمني للأمازيغ، التي انتقلت عبر مؤلفات تاريخية قديمة، في مواجهة أدلة أركيولوجية وجينية تعيد الحضور السكاني المحلي في شمال إفريقيا إلى آلاف السنين قبل ظهور تلك الروايات.
واختتم مهرجان “ثويزا”، الأحد، دورته العشرين التي انطلقت في 23 يوليوز، وتضمن برنامجها ندوات فكرية وتظاهرات ثقافية ومعارض للمنتجات التراثية.






























