لم تقتصر تداعيات حرائق الغابات التي تعرفها إسبانيا على عمليات الإجلاء والخسائر الميدانية، بل امتدت إلى أوساط الجالية المسلمة بعدما امتنع عدد من المساجد الواقعة بالمناطق الآمنة عن استقبال الأسر التي أخلتها السلطات الإسبانية من المناطق المهددة بالنيران. وأثار هذا الموقف، الذي طال عائلات تضم نساء وأطفالا، نقاشا واسعا داخل الجالية، محولا القضية من واقعة مرتبطة بالحرائق إلى جدل حول الدور الاجتماعي للمؤسسات الدينية في مواجهة الأزمات.
وبرزت هذه الوقائع في محيط العاصمة مدريد، حيث غادرت عشرات الأسر مساكنها امتثالا لقرارات الإجلاء الوقائي التي أصدرتها السلطات مع اقتراب ألسنة اللهب من المناطق السكنية. ومع البحث عن مأوى مؤقت، توجه بعض المتضررين إلى مساجد تقع خارج دائرة الخطر، غير أن طلباتهم قوبلت بالاعتذار عن استقبالهم، لتنتقل القضية سريعا إلى مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الجالية المغربية والمسلمة بإسبانيا.
واستند القائمون على بعض هذه المساجد، وفق ما جرى تداوله، إلى اعتبارات قانونية وتنظيمية لتبرير موقفهم، مؤكدين أن المساجد غير مرخص لها كمراكز للإيواء، كما أنها لا تتوفر على عقود تأمين تخول لها استقبال أشخاص للمبيت داخل مرافقها، وهو ما قد يرتب مسؤوليات قانونية على الجمعيات المشرفة عليها. فيما بررت مساجد أخرى موقفها بغياب المسؤولين عنها أو بعدم توفر مفاتيح البنايات خلال فترة العطل.
غير أن هذه المبررات لم تخفف من حدة الانتقادات، إذ اعتبر عدد من أفراد الجالية أن الظرف الاستثنائي كان يستوجب تغليب الاعتبارات الإنسانية، خاصة وأن الأمر يتعلق بأسر أخرجتها السلطات الإسبانية من منازلها حفاظاً على سلامتها. ورأى منتقدون أن المسجد يفترض أن يكون أول فضاء للتضامن في مثل هذه الظروف، قبل أي اعتبارات إدارية أو تنظيمية يمكن تدبيرها لاحقا.
وفي المقابل، دافع آخرون عن موقف إدارات المساجد، معتبرين أن الجمعيات المسيرة لا تملك صلاحية تجاوز القوانين المنظمة لاستغلال دور العبادة، وأن تحويل المسجد إلى مركز للإيواء دون ترخيص قد يعرضها للمساءلة القانونية، فضلا عن المسؤولية المدنية في حال وقوع أي حادث. وأكد هؤلاء أن مسؤولية الإيواء تبقى، في المقام الأول، من اختصاص السلطات العمومية وأجهزة الحماية المدنية.
وأعاد هذا الجدل إلى الواجهة سؤالا ظل يتكرر داخل الجاليات المسلمة بأوروبا كلما وقعت أزمات استثنائية، ويتعلق بحدود الدور الذي يمكن أن تضطلع به المساجد خارج وظيفتها الدينية. وبين من يتمسك بالتقيد الصارم بالمقتضيات القانونية، ومن يدعو إلى منح الأولوية لقيم التكافل والإغاثة، وقد كشفت حرائق إسبانيا عن نقاش يتجاوز واقعة مدريد ليطال مكانة المؤسسة الدينية داخل مجتمعات المهجر ووظيفتها في أوقات الشدة.































