التبريس.
يقدم جيرارد موريه في دراسته للبيئة الجغرافية للريف منظورا مختلفا لما هو رائج اليوم من قراءات لا يسندها أي اساس في البحث عن مشروعية ما يسمى بالريف وفق الجغرافية المحدد المعالم والتي تشمل كل الواجهة المتوسطية ، يقول موريه : إن إطلاق عبارة الريف على كل المنطقة الجبلية الواقعة شمال المغرب هو شيء مستجد جدا ، لذلك فإن الإخصائيين استعملوا هذه العبارة أساسا منذ فترة عبد الكريم “
ويطرح الباحث صورة لجغرافية الريف أكثر واقعية منذ القرن الخامس عشر لم يخالفها سوى بعض الجغرافيين العرب والذي سار على منوالها ابن خلدون القليل المعرفة بتجاعيد البنية الجغرافية للريف ، ما عدا ذلك فجل المؤرخين ، على ندرة الدراسات الميدانية التي أنجزت بالمنطقة ، يستقرون على تحديد الريف في المنطقة الواقعة على ضفاف المتوسط على مسافة 300 كلم ومن الجنوب هضاب ورغة الوسطى والسفلى حتى وادي اللبان الأعلى( او واد اللبن حاليا ) ومن الشرق سهول ملوية . ومنذ قرون طويلة ، يعيش في هذه المنطقة ” سكان فلاحون ومقيمون ، منغلقون على أنفسهم و لا يعترفون بسلطة السلاطين إلا لماما .. فالمنطقة تنتمي إلى بلاد ما يعرف بالسيبة “.
إن القبائل الموجودة في هذه المنطقة تنحدر من العائلات الثلاث الكبرى :غمارة ،صنهاجة وزناتة إختلطت إلى هذا الحد أو ذلك على مر التاريخ بفعل التفاعل الاجتماعي والثقافي ، ويصف لنا ليون الإفريقي الذي طاف بالمنطقة خلال القرن السادس عشر بأن جبال الريف كانت ملاذا للسكنى ويتواجد فيها متكلمون بالعربية والبربرية ، لكن هذه الأخيرة حسب ليون تتضمن “لهجتين” : الصنهاجية في الوسط والزناتية في شرق الريف .
فقبل مجيئ عبد الكريم يقول جيرارد فإن النظام السياسي والاجتماعي كان مرتبطا بالتقاليد البريرية العميقة ، فسيادة السلطة المركزية ” ليست ابدا محتومة ” ، حيث أن كل مجموعة بشرية كانت تحكم نفسها بنفسها .وكانت البنية الديمغرافية للريف تنقسم إلى ثلاث مجموعات كبرى : التجمعات العائلية ، الدوار أو القرى ثم التجمعات السكانية التي تتماشى مع التجزئة الطوبوغرافية للجبال .
أما بالنسبة لدافيد هارت فاستعمل مصطلح الريف الأوسط الأكثر تداولا على مر التاريخ الذي كانت تعيش فيه القبائل الثلاث الكبرى ، آيت ورياغل وتمسمان وغزناية ، ويشير بعض المؤرخين العرب إلى أن المساحة الجغرافية لهذه القبائل ظلت على حالها منذ تأسيس مملكة النكور التي دمرت على يد يوسف بن تاشفين سنة 1048 .وكانت قبيل بني ورياغل ” الأكثر عددا والأقوى والأكثر دموية ” حسب هارت لدرجة أنهم كانوا يقولون عن أنفسهم بأنهم ” الطبل الذي يرقص حوله كل الريف “..
ومن خلال تفحص نصوص عدد من الباحثين والمؤرخين الذين كانوا على إلمام بمجريات التحولات التاريخية الكبرى لمنطقة الشمال المغربي يتضح أنه ينقسم إلى منطقتين وجهتين يمكن تسميتهما بالمفاهيم الكلاسيكة التي كانت متداولة : بلاد الريف وبلاد جبالة أو بلغة معاصرة جهة جبالة وجهة الريف مع العلم أن الترمنولوجية التي اعتمدها خبراء التقسيم بالمغرب سعوا إلى تدمير الاسماء التاريخية والاستعاضة عنها بأسماء المدن والأقاليم الحديثة العهد ، وفي ذلك دلالة على الرغبة في طي صفحة الهوية التاريخية والسياسية للجهات الكبرى بالمغرب، لأنها لم تكن فقط تقطيع جغرافي بقدرما كان يسود وسطها نظام اجتماعي وسياسي للحكم المحلي لا يضاهيهه في المفاهيم المعاصرة سوى نظام الحكم الذاتي ،وهو ما لا يتماشى البتة مع سياسة تقطير الصلاحيات التي تخول اليوم للجهات بالمغرب ،ولذلك كان لزاما أن ينصب الجدل والنقاش الساخن حول صلاحيات الجهات أكثر من حدودها الجغرافية التي يمكن أن تعدل على مرور الوقت بعد بروز الهويات الجهوية .لأن ذلك يضعنا في قلب الصراع مع السلطة المركزية واحتكارها المطلق لمجال السيادة وفي معترك النضال من أجل الديمقراطية واقتسام السلطة .
المصدر: علي بلمزيان: حوار ريف
المراجع المعتمدة :
– دافيد .م.هارت :النظام المجزأ ودور الخمسة أخماس في قبائل المغرب
– نفس الكاتب : نماذج المصالحة في البنية البربرية
– مقالة لجيرار موريه حول البيئة الجغرافية الريفية .































