أمام ما تحققه الميديا من تحولات في عالم بالغ التعقيد وجب إعادة طرح السؤال القديم – الجديد: هل الميديا عالم افتراضي أم هو حقيقي يترجم تفاعل الانسان مع ذاته وأهوائه وميولاته في تقاطع متناغم مع سكان الجهات الأربع للعالم؟
نعيد طرح هذا السؤال لأن حكومة توجد في غرب المتوسط تتغنى ” بالميتافيزيقيا البتراء” تريد أن تكسب للبلد الذي تسوسه وهو المغرب، قصب السبق في احتلال المراتب الأولى للتدبير الأسوأ لفضاء شديد التعقيد يعرف التدفق الهائل للمعلومات والصور والرموز بشكل أعدم الحيلة أمام أي إنسان أو مؤسسة، مهما عظم قدره وقدرها، من التماهي مع السيولة الجارفة للمعلومات والاخبار والصور والصدى..
الحكومة المغربية تريد أن تركب عكس التيار لما باغتت الرأي العام ومرتادي مواقع التواصل الاجتماعي بصواريخ ثقيلة وهم في حالة من الضجر والسقم والحجز والحيرة وهول الانتظار بسبب جائحة الوباء العالمي الذي بات يهدد كيان الانسان ويفقده الشعور بالأمان، فأن تقدم الحكومة على طرح مشروع قانون يرتب آثارا قانونية على كل روج أو دوّن أو أذاع أفكارا لا تتطابق مع معايير ” حسن السلوك”، وهي بذلك لا تسفِّه الإشكالية المطروحة عالميا، والذي احتار حولها أهم المفكرين والمنظرين وكبار السياسيين الذين عجزوا جميعا عن إيجاد الحلول والمقاربات الدقيقة لمحاربة الأخبار الكاذبة، بل تدمر كل المجهودات التي تبذل الآن من أجل إعادة الاعتبار لمفاهيم التضامن والتكافل الاجتماعيين في زمن الطوارئ، وحدها حكومتنا تنطعت، وبكل خفة ، لتعلن أنها تتوفر على شيفرة لوضع حد للانتشار السريع للأخبار والأفكار الشائعة والكاذبة؟ وهي تتحرك بالايعاز بمنطق مقاولي الصفقات التجارية لحماية السوق التي جعلت منه مرجعا للمشروعية والشرعية.
فما هي هذه الشيفرة التي تتوفر عليها حكومة السيد سعد الدين العثماني؟ إنها بكل بساطة استخدام مغرض للوازع الأخلاقي، رغم ضبابية المفهوم، لشرعنة قانون لكبح الحريات مستلهم من قوانين السوق التجارية تحت يافطة محاربة الأفكار المضللة والكاذبة؟ وهي بذلك كمن يريد استئصال الأفكار الكاذبة عبر التضحية بأصحابها. وتلك هي الورطة التي سقطت فيها الحكومة المغربية التي عبرت، مرة أخرى، أنها ليست في المستوى المطلوب لبلورة الجدل السياسي والفكري المجتمعي لخلق رأي عام قادر على الانخراط الإيجابي في معادلة عالم بات أكثر من أي وقت مضى شديد التعقيد والحيرة، وهي بذلك تستوحي مرجعيتها من فكرة شائعة تروجها نفس الميديا، مفادها أن عالم الغد لن يكون إلا نجاحا باهرا لنظام التسلط وإقبارا نهائيا لتقنيات اللعبة الحقوقية والديمقراطية، وتتناسى أن عالم الغد، ما بعد الوباء، لا يعرف أحد المآل الذي ستستقر عليها الاحداث، لأن العالم في فترة مخاض عسير يستعصي من الآن معرفة طبيعة المولود وكيف ستتشكل خريطة الابستيمي الجديد ومعالمه.
وليس مصادفة أن تعرف ساحة الميديا تدفقا هائلا للسخرية والاحتجاجات بمختلف الوسائل، لأن الإحساس الذي تروجه الحكومة وهو التظاهر أنها حريصة على حماية الحياة الخاصة، علما أن عالم اليوم يشهد تهديدا للحياة العامة أولا قبل الحياة الخاصة بسبب طغيان جبروت الامبراطوريات الإعلامية الكبرى المستفيد الأعظم من تقنيات التكنلوجيا الحديثة وهي المسؤولة عن رواج الأفكار المدمرة المستوحاة من نظرية الفوضى الخلاقة ونظرية نهاية العالم .
أظن أن المهم اليوم، ليس هو نقاش مضمون الفكرة، بل الفكرة من أصلها، التي يجب أن تسحب فورا نظرا لتداعياتها الخطيرة على الحياة العامة ، بدل ذلك على الحكومة وجميع مثقفي الوجبات السريعة أن يكفوا على تقديم وجباتهم التي لا تنال شهية أحد، وأن يساهموا في إطلاق نقاشات مجتمعية يساهم فيها الجميع، ليس بهدف الوصول إلى مدونة مزعومة “لحسن السلوك” ولكن لترقية والرفع من إيقاع النقاشات العمومية، وأن زمن تلفزة وإعلام الخطب الجلل والاخبار المتحكم فيها عن بعد قد ولى إلى غير رجعة ، والسؤال المطروح أو التحدي المطروح على المغاربة اليوم، هو كيف يمكن ضمان وجودية الأمة والوطن في ظل طغيان إمبراطوريات الصوت والصورة والصدى التي تهدد الجميع بالمسح والالغاء من على خريطة كوكب الأرض؟ فهل تمتلك هذه الحكومة فراسة وشجاعة الاقدام على فتح نقاش عمومي من هذا الحجم، باعتباره الوسيلة الحداثية الوحيدة الممكنة للقضاء على الأخبار الكاذبة وعلى مختلف صنوف الميديا المتلاعبة بالعقول؟
ألتبريس































