عبد المنعم بنتهامي: لاعتبارات تاريخية وثقافية… ..وخاصة إذا ما استحضرنا الجانب السلبي في علاقة أهل الريف بالنخب السياسية التي حكمت الدولة المغربية مند الاستقلال إلى أواخر التسعينيات من القرن الماضي فإنه من الطبيعي جدا أن نجد لدى أهله آراء وخطابات متباينة بخصوص ما يجب أن تكون عليه علاقتهم بهذه الأخيرة، خاصة وان المجتمع الريفي مجتمع منفتح على مختلف الثقافات الإنسانية ومتأثر بمختلف اديولوجياتها عبر التاريخ. كما انه في نفس الوقت مجتمعا كسائر المجتمعات التي مازالت لم ترقى الى مستوى المجتمع الديمقراطي الذي يعتبر من المقومات الأساسية لبناء دولة ديمقراطية تتعايش فيها جميع الطبقات الاجتماعية وتضمن حقوق جميع المواطنين. ومن هذا المنطلق يمكننا أن نقول بان الرأي الداعي إلى “الانفصال” ليس بالحل المناسب في ظل البنية الثقافية والاقتصادية لمجتمعنا ، فالمجتمع الذي تسود فيه بنيات اجتماعية وأسرية غير ديمقراطية ولم يستطع بعد إفراز إطارات مدنية وحركات اجتماعية وسياسية ديمقراطية لا يمكن له أن ينتج دولة ديمقراطية، على اعتبار ان العلاقة بين المجتمع المدني والدولة السياسية ليست علاقة اعتباطية قائمة على الصدفة ، بل صيرورة موضوعية ، فالدولة السياسية، أو الحاكمون على رأسها، ليسوا هم الذين يجعلون المجتمع المدني يتمتع بهذا القدر أو ذاك من الديمقراطية، أو يعاني من الاستبداد، بل على العكس، أن المجتمع المدني هو الذي يحدد الشكل السياسي للدولة، وبالتالي هو الذي يجعلها تكون إما ديمقراطية أو استبدادية ، مادامت الدولة في حقيقتها ليست سوى انعكاسا ضروريا لواقع المجتمع الموضوعي، اللهم إذا كان هؤلاء يعتقدون أن المجتمع الريفي مجتمع مدني ديمقراطي بامتياز .
هذا وإذا سلمنا بوجود هذا الموقف لدى البعض من المجتمع الريفي فانه ليس من الطبيعي أن يصنف مجتمع كامل من خلال موقف أو بعض المواقف التي قد يعبر عنها بعض الأفراد أو بعض الأقليات هنا وهناك ويغض الطرف عن موقف الأغلبية الساحقة لهذا المجتمع. فالمجتمع الريفي ليس على عقيدة واحدة سواء كانت دينية أو علمانية أو غير ذلك. وبالتالي فان تصوره لما يجب أن تكون عليه علاقته بالدولة المغربية ليس بالضرورة أن يكون موضوع إجماع رغم الشعور المشترك بالتهميش السياسي والإقصاء ورغم إلاجماع الذي يحصل كل مرة على أي مطلب يهدف لتجاوز هذه الوضعية والتخفيف من أثارها على المنطقة وساكنتها، وذلك بمنطق برجماتي صرف تحكمه المصلحة المشتركة.
وإذا كان من الطبيعي أن يحاول أصحاب بعض هذه الخطابات “المتطرفة أو العنيفة” كما هو الشأن في جميع المجتمعات الركوب على كل حركة اجتماعية والالتفاف حولها من اجل إثبات الوجود خاصة في ظل مناخ دولي ووطني يضمن حرية الرأي والتعبير، وكذلك أن تلقى خطاباتهم وشعاراتهم صداها لدى فئة من الشباب الذي يعاني من التهميش والبطالة، فانه ليس من الطبيعي أن تجد حركة احتجاجية بهذا الحجم استمرت لمدة تزيد عن نصف سنة في دولة تتوفر على 35 حزبا سياسيا مهمتها الدستورية تأطير المواطنين وتدبير شؤونهم دون أن تجد لها أثرا في الميدان، باستثناء ما ساهمت به على مستوى التدبير من إنتاج للإحباط في صفوف الشباب الذي لم يعد يثق في عهودها، بل قرر أن يرفع في وجهها شعار “لا” ليس من أجل نفيها ولكن من أجل تنبيهها إلى أنها لم تعد تضطلع بأدوارها على اعتبار أن مهمتها تحولت فعلا من مهمة تأطير وتدبير شؤون المواطنين إلى مهمة البيع والشراء في المقاعد والامتيازات وتوزيع الغنائم بين فئات قليلة من المجتمع.
كما انه ليس من الطبيعي أيضا أن يقوم شيوخ كراسي هذه الأحزاب في إطار تبرير فشلهم بمحاولة إلصاق تهمة الانفصال بأهل الريف رغم أنهم يعرفون جيدا مدى حرص هؤلاء على وحدة الوطن عبر التاريخ ، كما شهدوا على مدى ترحيبهم بالملك محمد السادس رمز الوحدة الترابية أثناء زياراته للمنطقة، وعلى مدى تجاوبهم مع”حزب صديق الملك ” حيث اعتبره آنذاك جزء مهم من المواطنين بالريف إشارة لرفع التهميش السياسي عن المنطقة وأبنائها باعتباره الحزب الوحيد الذي انفتح عن أهل المنطقة وبوأهم مناصب قيادية، في الوقت الذي كانت تصفه شيوخ هذه الأحزاب التي طلعت علينا بتهمة الانفصال بالحزب المشبوه باعتباره “حزب القصر“.
إلا انه وللأسف سرعان ما بدأ هذا الأمل يتبدد وبدأ اليأس سيد الموقف لدى أغلبية الشباب، لأنه لا هذا ولا ذاك استطاع أن يعيد الأمل للشباب الذين يكتوي بنار البطالة بعدما سدت في وجهه أبواب الهجرة إلى الضفة الأخرى التي شكلت لهم الخلاص عبر العقود الماضية .
فإذا كان المقصود بالانفصال هو الخروج عن النظام الملكي بالمغرب فان الواقع يثبت عكس ذلك. أما إذا كان المقصود به الانفصال عن الكيان المغربي فان أهل الريف جزء لا يتجزأ من هذا الكيان بمختلف مكوناته العرقية، فأهل الريف كما هو شان الشعب المغربي وجميع شعوب شمال أفريقا تعايشوا وسيظلوا يتعايشون مع بعضهم البعض رغم اختلاف أصولهم العرقية ومعتقداتهم الدينية.
لذا أقول لهِؤلاء كفى من صناعة التطرف وكفى من صناعة الفكر الانفصالي، فانتم تعرفون قبل غيركم من أين بدأت القصة وكيف باركتموها انتم وأسلافكم وكيف فصل المغرب إلى مغرب نافع ومغرب غير نافع. فاتقوا الله في شعب مسالم ومتسامح ، يدق كل مرة ناقوس الخطر عسى آن يوقظ فيكم وازع الإنسانية والوطنية إن كنتم مازلتم تحملون شيئا من الجينات الآدمية.






























