المدينة غارقة في إيقاعها الطبيعي لا تكسره سوى احتجاجات تطالب بتحسين الوضع الاجتماعي
تكذب الحسيمة، والمراكز المحيطة بها، وجود حالة استثناء في المنطقة أو تحركات توحي بسعي إلى العصيان المدني. فرغم أن السكان يحسون بغبن ويبدون استياء من الأخبار التي شككت في مساعيهم من وراء الاحتجاج، يرحب تجارها بأي زائر يدخل محلاتهم، كما يسارع أرباب فنادقها ومطاعمها إلى التطبيق الحرفي لمقولة «الزبون ملك» في تعاملهم، فالمدينة تعيش ركودا اقتصاديا.
هنا جولة سريعة في المدينة، تكشف ألا حصارا عسكريا فيها، وأن المنطقة غارقة في معيش عاد، وهدوء لا تكسره إلا مسيرات احتجاجية سلمية، محددة الزمان والمسار احتجاجا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور.
«المدينة الغارقة في التوتر والاحتقان بسبب احتجاجات انفصالية». أول صورة ذهنية تسقط تلقائيا بمجرد الوصول إلى الحسيمة، إذ في الوقت الذي تخلف الأخبار المنتشرة في وسائل التواصل، لدى المسافر إلى الريف توقعا بأن يجد في مدخلها مليشيات، تكون أول ما تقع عليه عيناه، مجموعات عمال مياومين، ينهمكون على طول الطريق الرابطة بين بني بوعياش والحسيمة مرورا بإمزورن، في أشغال توسيع بعض المقاطع فيها، وأخرى لتهيئة رصيفها.
وبعد تجاوز القادم إلى المدينة عبر تازة، حاجزا للمراقبة خاصا بالدرك الملكي، ويليه آخر بعد كيلومترات خاص بالأمن الوطني، كما هو الحال في مداخل أغلب المدن المغربية، لا شيء يوحي بأن المدينة تعيش حالة استثناء أو حرب شوارع بين الانفصاليين وقوات الأمن، وعلى العكس، تشهد المدينة حركة كثيفة لوسائل النقل العمومي بين المراكز الحضرية للمنطقة.
لا عسكرة
وفي سوق الثلاثاء، الذي يعد أبرز وأقدم سوق للخضر والفواكه بالمدينة، يظهر للزائر أن تموين المدينة بحاجات سكانها من الغذاء، يحتفظ بإيقاعه المألوف، أما المطاعم والمقاهي فباحاتها مفتوحة، وفيها مرتادون، أغلبيتهم من الذكور، ومنشغلون بهواتفهم الذكية ومطالعة الجرائد، وامتلأت عن آخرها ليلة الأربعــــاء الماضــــــي، لمناسبة مباراة لـ»ريال مدريد»، والاختلاف الوحيد مع الرباط والبيضاء، أن الناس هنا شاهدوها في قنوات إسبانية.
وحتى مقهى «كالاكسي»، المحاذية للملعب البلدي ميمون العرصي ومبنى السجن المحلي للمدينة، ويرتادها ناصر الزفزافي، قائد احتجاجات الريف، وأصدقاؤه المقربون من نشطاء الحراك، عاشت الوضع نفسه، وأكثر من ذلك، لا يكون السائل فيها عن قادة الاحتجاجات، موضوع شبهة أو ريبة، إذ بإمكان أي واحد سألته، أن يكشف لك مواعد مغادرة النشطاء أو إلى أين ذهبوا بعد أن ارتشفوا قهوتهم، كما تجد من يتطوع ليوصلك إلى بيت أسرة الزفزافي، ما يلغي لديك عن مؤطري الاحتجاجات انطباع التنظيم السري، أو العصابة المسلحة التي تقود تمردا من أجل الانفصال.
ولعل الغريب أكثر، أن المقهى الاعتيادي لمنظمي احتجاجات الريف، يوجد في الشارع نفسه الذي يقع فيه مبنى منطقة الأمن الإقليمي للحسيمة، ولا تفصل بينهما سوى خطوات من المشي في مدة لا تتجاوز دقيقة، وهو المبنى الذي طوق بسيارات للأمن، بينها شاحنتان خاصتان بتفريق الاحتجاجات بخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع، وهو الأسطول الذي تقف قربه، باستمرار عشرات العناصر، من حراس وضباط ومسؤولين، غارقين في انتظار طويل.
ويفسر مصدر مطلع ذلك الاستنفار الأمني، أمام مبنى الأمن الإقليمي، بأنه يرتبط بسابقة إبان حراك 20 فبراير 2011، تتعلق بمبادرة بعض الشباب إلى مهاجمة مقر المنطقة الأمنية بالحجارة، وهي الحماية التي ترتبط أيضا بأن ساحة محمد السادس، التي يسميها النشطاء «ساحة الشهداء»، ومنها تنطلق الاحتجاجات، توجد أمام مقر الأمن الوطني.
ولا تثير الحماية المكثفة التي تحظى بها بناية الأمن الإقليمي أي استياء لدى مرتادي الساحة العمومية، التي تعد أيضا، بنافوراتها ذات الأضواء المتلألئة، أبرز فضاء يقصده سكان الحسيمة كل مساء لتزجية الوقت فيه، فكان لافتا، مساء الأربعاء الماضي، قدوم أسر إلى الساحة ليلهو فيها أطفالها، سيما أن بعض الشباب يوفرون بالساحة أسطولا من السيارات الكهربائية الصغيرة الخاصة بالأطفال، فيطوفون بها، دون أن تحظى مدرعتا تفريق الاحتجاجات بأي اهتمام خاص منهم.
وباستثناء الإنزال الموجود أمام مقر المنطقة الأمنية، لا شيء يوحي بوجود «عسكرة» أو حصار أمني للمدينة، كما تعمم ذلك تقارير إعلامية، اعتمادا على صور ومعلومات تبث في شبكات التواصل الاجتماعي، وحتى «الثكنة المتنقلة» التي قيل إنها أقيمت وسط الحسيمة بحي بادس، قصدتها «الصباح»، فوجدتها عبارة عن بضع خيام خضراء، وعشرات صفراء، وتتخذ مخيما لتعزيزات من القوات المساعدة، وليس القوات المسلحة الملكية، والوقاية المدنية، بعدما ضاقت بها الثكنة الرسمية للمدينة، ومركب اجتماعي وسط المدينة.
وفي محيط المدينة، الخاضع لنفوذ الدرك الملكي، تأكدت «الصباح» أيضا، ألا وجود لتعزيزات عسكرية أو فرق من الجيش، إذ أن الشاحنات التي التقطت لها صور من زوايا بعيدة ثم بثت على شبكة التواصل الاجتماعي مرفوقة بتعليقات تقول إن الأمر يتعلق بالجيش، فقد تبين بعد الاقتراب منها، على مستوى شاطئ «إسلي»، أن لونها أزرق داكن، وألواح ترقيمها بجانبها عبارة «الدرك»، أما العناصر التي تركبها فهي بدورها بزي أزرق داكن، ومجهزة بخوذات وهراوات، ما يعني قوات للتدخل السريع خاصة بالدرك الملكي، ولا يتعلق الأمر بتاتا بجنود مسلحين.
بطالة وركود
وإذا كانت دوريات للأمن الوطني لا تتوقف عن التجول بشوارع الحسيمة، كما توجد عناصر للحراسة ببعض الأزقة التجارية والشوارع، فإن الأمر لا يثير أي استياء في الميدان، إذ يتعامل معها الناس كأنها غير موجودة، ويمضون في قضاء أغراضهم، ليبدو الأمر، تعزيزا للإحساس بالأمن، واحترازا من أي أعمال فوضى قد تصدر عن طائشين، كما لم تقس «الصباح» أي حقد تجاه الأمر، بقدر ما هناك تعامل يتراوح بين السخرية والترحيب.
ويتمظهر ذلك، في حديث الناس عن «السياحة الأمنية»، إذ في ظل العدد الكبير لعناصر الأمن والقوات المساعدة، والذين لا يوجدون في حالة تأهب قصوى، تعرف مقاهي المدينة حركية لافتة للانتباه، كما ازداد عدد زبناء مطاعم الوجبات السريعة وبائعات «المسمن والحرشة».
أكثر من ذلك، فتح إنزال عدد كبير من رجال الأمن والقوات المساعدة بالحسيمة، الباب أمام بعض أرباب المطاعم والممونين، ليحظوا بصفقة العمر، ممثلة في التعاقد مع عدد مهم منهم من أجل تموين القوات الوافدة بالوجبات، في سياق زمني تتميز فيه الحسيمة بالركود التجاري، لأن السياحة فيها، تظل داخلية وصيفية.
وعندما ترصد ارتسامات الشارع حول قضية السعي إلى الانفصال عن المغرب، التي أثارتها أحزاب الأغلبية الحكومية، يستاء الناس بشدة، ويواجهونك بأنك لا تعرف الريفيين، ويجمعون على أن مشكلتهم الأساسية، هي «البطالة» وقلة فرص الشغل، ففي الوقت الذي يشكل الشباب النسبة الكبيرة في المنطقة، لا وجود في المقابل لما ينشغلون به.
وفي هذا الصدد قال نادل مقهى: «الشباب لا يريدون إلا فرص شغل، فلا معامل في المدينة، والنشاط الرئيسي الذي كان يعيل كثيرا من الأسر، هو الصيد البحري، ولما ضربت الأزمة القطاع، بقيت التجارة المرتبطة أساسا بالسياحة الداخلية في الصيف، وبعدما أغلقت الدول الأوربية حدودها وضيقت على الهجرة، لم يعد أمام الشباب أي حل».
وأضاف المتحدث: «حتى الانشغال بالدراسة ليس متاحا أمام كثيرين منهم، ففي ظل محدودية موارد الأسر، يضطر كثيرون إلى الانقطاع، لأن متابعة الدراسة الجامعية، تتطلب الانتقال إلى وجدة أو تطوان، فمن أين لأسرة تاجر أو صياد بمداخيل يمول بها دراسة أربعة أبناء في تلك المدن؟».
ويكفي الرجوع إلى تقارير المندوبية السامية للتخطيط، للوقوف على حقيقة شهادة النادل، إذ تشير إلى أنه في الوقت الذي يبلغ معدل البطالة على الصعيد الوطني 10 في المائة، تتضاعف النسبة بالحسيمة لتصل إلى عتبة 21 في المائة، أي بفارق 11في المائة مقارنة بالمعدل الوطني.
ويحدث ذلك، في وقت يتردد فيه المستثمرون في إحداث مشاريع بالمنطقة، إذ سبق للسلطات أن أحدثت المنطقة الصناعية أيت قمرة، ووضعت عددا من التحفيزات تخص الوعاء العقاري، إلا أن المشروع لم ينجح، وقبل الاحتجاجات، كانت فعاليات المنطقة تطالب بمشروع للإنقاذ.
ويؤكد الانخراط الواسع لتجار المدينة وأرباب مطاعمها ومقاهيها، في الإضراب العام الذي دعا إليه منظمو احتجاجات الريف، أول أمس (الخميس)، أن الركود الاقتصادي يبلغ فعلا منتهاه، إذ بمجرد حلول الموعد المقرر، ممثلا في الساعة الثالثة بعد الزوال، سارع الجميع إلى إغلاق محلاتهم، ولم يعودوا إلى فتحها بعد انتهاء المسيرة الاحتجاجية في الثامنة مساء، إذ ظلت مغلقة إلى اليوم الموالي، لتكون بذلك الحسيمة، المدينة الوحيدة التي ينجح فيها إضراب عام.
مشاريع منارة المتوسط المعطلة
انطلق منذ أيام بالحسيمة عدد من الأشغال المرتبطة بمشروع الحسيمة منارة المتوسط، إلا أنها لا تعني للسكان الشيء الكثير، بل استغرب كثير منهم في ارتسامات لـ»الصباح»، الجدوى من تغيير رصيف شوارع مازال جيدا، وأنجز قبل سنتين فقط، بآخر جديد.
أكثر من ذلك، رصد كثيرون ملاحظات كثيرة بشأن بعض المشاريع التي سارعت السلطات إلى بدء الأشغال فيها، بإقامة لوحات إشهارية تتضمن اسم المشروع وصورته المتخيلة (الماكيت)، من قبيل المركز الاستشفائي الجديد الذي سيقام بأجدير، إذ لا يفهمون لماذا افتقدت السلطات إلى الشفافية، ولم تنشر في اللوحات البطاقات التقنية للمشاريع.
وبالنسبة إلى كثيرين، يفترض، بموجب القانون، أن تتضمن اللوحات معلومات عن صاحب المشروع والمهندس والمختبر التقني والشركة الحائزة للصفقة وكذلك المدة الزمنية لإنجاز الأشغال، علاوة على استياء كثيرين منهم من طغيان أشغال التزيين والإنارة على كثير من المشاريع، وارتباطها بالقطاع السياحي.
ويغطي برنامج الحسيمة منارة المتوسط، الفترة (2015 – 2019)، ويرمي إلى إنجاز مراكز استشفائية متخصصة، وبناء مطار الشريف الإدريسي، وتهيئة منطقة صناعية، وإنجاز عدد من المشاريع الاجتماعية، بغلاف مالي قدره 6.51 ملايير درهم؟
ويستهدف البرنامج، الذي يعد الجواب المقدم خلال هذه الأيام من السلطات إلى المحتجين، في الشق المتعلق بالتأهيل الترابي، فك العزلة عن العالم القروي وغرس 8700 هكتار بالأشجار المثمرة وتثمين المنتوجات المحلية، وتهيئة مداخل المدينة والمحاور الطرقية الرئيسية، وبناء «مارينا» وتهيئة فضاءات ومناظر جميلة، أما في الشق المتعلق بالنهوض بالمجال الاجتماعي، فيعد ببناء مستشفى إقليمي ومركز لتصفية الدم وتجهيز المركز الجهوي للإنكولوجيا، وبناء وتجهيز خمسة مراكز صحية للقرب، وتأهيل وتجهيز البنيات الاستشفائية الموجودة.
ويعد المشروع أيضا، ببناء مؤسسات تعليمية، وبناء ملعب كبير لكرة القدم، وإحداث مسبح أولمبي، وقاعة مغطاة بمعايير دولية، وتشييد قاعتين مغطاتين بجماعتي أجدير وإساكن، وتهيئة ملاعب رياضية لفرق الهواة، إلى جانب بناء مسرح ومعهد موسيقي ودار للثقافة.
ثقل التاريخ وجور الجغرافيا
تسمح ارتسامات السكان والنشطاء، بتشكيل خلاصة، مفادها أن الذي يغذي التوتر في المنطقة، هو إحساس عميق بالحكرة، تولد عن تحالف الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للسكان، مع ذكريات أليمة لم تمض عليها مدة كافية، وخلفها تعامل الدولة مع المنطقة، سيما في الفترة بين 1959 و1999، والوصم السلبي الذي يلاحق سكان الريف من قبل باقي المغاربة، والذي ينضاف إليه غضب الطبيعة، ممثلا في الزلازل التي فتكت بأرواح المئات، علاوة على وباء السرطان، الذي ينتشر كثيرا في المنطقة، ويفسره الناس بهجمة الغازات السامة إبان الاستعمار.
ورغم كل ذلك، مازال سكان الريف، متشبثين بالأمل، إذ لاحظت «الصباح»، كيف استفزهم التشكيك في وطنيتهم، إذ سارع كثيرون، قبل المشاركة في المسيرة الاحتجاجية، إلى إعداد لافتات على الورق، يؤكدون فيها أن حراكهم وراءه مطالب اجتماعية، كما سمحوا لنسائهم، على غير العادة، بالخروج للاختلاط بالرجال والمشاركة في الاحتجاج، الذي ركز في كل شعاراته على نفي تهمة الانفصال.
إعداد: امحمد خيي – تصوير : عبد اللطيف مفيق (موفدا الصباح إلى الحسيمة)































