عندما أتوقف لما يشهده الحراك على المستوى الأوروبي من سجالات يتنازعها مشروعين يقفان على موقف التضاد .مشروعين يصعب الجمع بينهما حتي وان استحضرنا و احتكمنا إلى مقتضيات العملية الديمقراطية ، بما تتطلبه من قبول بالاختلاف واحترام الرأي الآخر . حتى وإن استحضرنا بعض النداءات من هنا وهناك من اجل الوحدة ورأب الصدع بين مكونات المشهد الريفي بأوروبا .
١ /مشروع يدعي تمثله للفكر السياسي الجمهوري ،ليس لكونه مقتنعا بهذا المشروع السياسي الذي يعد شكلا من أشكال الحكم التي ابتدعها الفكر الإنساني في سياق التطور الذي عرفته المجتمعات و انظمة الحكم فيها .كما.. أن هذا المشروع حتي في كونيته لا يمكن اعتباره بالإطلاقية التي يتوهمها أصحاب هذا المشروع على كونه اجابة ضرورية على المسألة الديمقراطية و كونه هو السبيل لضمان الحقوق والحريات ،وأعمال دولة الحق والقانون .لان لنا في التجارب المريرة للشعوب مع انظمة حكمها الدكتاتورية المسماة جمهورية ما يكفي من المآسي والآلام و الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها في حق شعوبها.
أقول قولي هذا من اجل الوقوف عند من يعتبرون أنفسهم جمهوريون ،يتغنون بها صباح مساء عبر تقنيات اللايف، وهم بذلك كمن يريد أن يقول وكفى المؤمنين شر القتال .لأقول لهم اني لست ضد من يتمثل الفكر السياسي الجمهوري المبني على قواعد الفكر والسياسة ، على تصورات وقناعات تتأطر ضمن مشروع سياسي مجتمعي ، يروم إلى إحقاق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بمرجعية أيديولوجية تشكل بوصلة ما يطمح اليه من اجراءات ومخططات اقتصادية واجتماعية وسياسية لعموم الشعب الذي يدعي تمثيله، دون ان اهتم في ذلك إن كانت هذه المرجعية يمينية ليبرالية أو يسارية ماركسية .
لكن أن يقول البعض بالجمهورية ويتزايدون بها في خطاباتهم الشعبوية ، وهم لم يسبق لهم أن قرؤوا كتابا واحدا ولم يطلعوا يوما علي ما يحبل به الفكر السياسي الجمهوري ، بل فقط جمهوريين لكونهم ريفيين ، بمعني ان مفهومهم للجمهورية مبني علي” العرق ” وليس على الفكر والسياسة التي تستمد مقومات مشروعيتها مما يختزنه المجتمع، بغض النظر عن انتمائه العرقي ، من صراعات على أساس انتماءاتهم الاجتماعية والطبقية وفي حالتنا أقول حتى وإن كانوا ريفيين .
مفهوم يقزم المعني السياسي للفكر الجمهوري ويحصره في الزاوية الضيقة في حدود علامة الأربعين، التي تقتطع أجزاء من إقليم الحسيمة و إقليم الناضور، هذا إن استثنينا طبعا حسب هؤلاء ،الناطقين بالدارجة العربية أو الجبلية من أبناء المنطقة وهو ما يمكن اعتباره مطلبا طوباويا ، غير قابل للتحقق ولا للحياة، هدفه المزايدة ان لم نقل التشويش على أي فعل ديمقراطي حقيقي ، وذلك خدمة لاجندات معلومة أو مجهولة . اقول قولي هذا حتى وإن عملوا علي اضفاء المشروعية على ما يسوقون له من أفكار تجمع بين الجمهورية والتخوين ،والتعصب للعرق ، ومعاداة الرأي الآخر ،والتنظيمات والنقابات والجمعيات، وهي كلها أفكار تحيل إلى شرعنة دكتاتورية العرق بديلا عن ما نعيشه من استبداد سياسي ارهق كاهل المجتمع المغرب،ي الذي لم يعد يقبل بإنتاج دكتاتورية اخري حتي وان كانت في صفة الجمهورية. او حتى وان عملوا على إضفاء المشروعية علي ما يروجون له من افكار ، من خلال استنفار ما تكتنزه ذاكرتنا الجماعية علاقة بالامير المجاهد محمد بن عبدالكريم ،الذي بنى مشروعه السياسي على عموم جغرافية الريف الكبير بتعدد ألسنته وثقافاته ،وبما كانت تقتضيه عملية التحرير، وما تستلزمه من تسيير لأمور الناس على كل شبر من الأرض التي تم تحريرها .هذا في غياب الدولة والسلطة المركزية التي كانت تحت وصاية سلطات الحماية ،وفاقدة لأي صلاحيات. وبالتالي ما كان مشروعه السياسي عرقيا ولا عصبيا ولا دكتاتوريا ولا مناطقيا بل كان مشروعا تحرريا اقتدت به الكثير من الشعوب ومن حركات التحرر عبر العالم.
أقول قولي هذا حتى انبه البعض ممن يتمثلون هذا النوع من التفكير انكم فعلا ضد الحراك الشعبي وضد مصلحة الريف ، ليس لكونكم تدعون الجمهورية حتي بالشكل الذي تطرحونها، فهذه قناعات ومن حق المرء أن يؤمن بما يشاء. لكن بما تسوقونه من خطابات تحريضية وعرقية ضد كل من خالفكم الرأي .وانتم بخطاباتكم هذه تنفرون الرأي العام المغربي اولا والأوروبي ثانيا ،من التعاطف مع قضايا الريف والوطن المتمثلة في الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية ، خاصة وان كل خطاباتكم عبر اللايف، حتى وان عبرتم عنها بالريفي،ة فهي محل التحليل الدقيق من طرف كل الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية ،ومن طرف هيئاتها السياسية والنيابية والإعلامية وهي من يصنع الرأي العام ،اما في اتجاه التبني والتعاطف ،أو في اتجاه التجاهل واللامبالاة ،إن لم نقل استنكار هذا النوع من الخطابات التي تصنف في خانة التعصب والعنصرية.
إنكم بخطاباتكم هذه تمحون تلك الصورة الجميلة والحضارية التي عمل الحراك ونشطاىه بالداخل على نحتها وصقلها ، في المخيال الجمعي للشعب المغربي بصفة خاصة، والشعوب الأوروبية والغير الأوروبية بصفة عامة ،و ضحوا بحريتهم من اجلها ومن اجل اظهار الريف بمظهر المطالب السلمي لحقوقه المشروعة المتمثلة في التنمية والحرية والعدالة الاجتماعية. وتؤسسون بدل ذلك لصورة نقيضة سيئة، تبدي العداء للجميع سواء بالداخل أو الخارج ،وذلك من خلال ما تبدونه من حقد ودعوة للكراهية والعنصرية ،و العداء المطلق لذوي الرأي الآخر من بني جلدتكم ، و للتنظيمات المدنية والسياسية والمؤسسات النيابية التي تعتبر من ضروريات العملية الديمقراطية بالنسبة للشعوب والدول الأوروبية التي لم يعد يهمها شكل نظام الحكم ملكيا أو جمهوريا بقدر ما يهمها أن يكون نظام الحكم ديمقراطيا
٢/ مشروع ديمقراطي حداثي لم يستطع بعد تلمس طريقه إلى الوضوح، رغم ما يتم تداوله من أفكار محتشمة في هذا السياق، ورغم بعض السجالات التي تخبو تارة وتظهر تارة، اخري بين رموز هذين “المشروعين ” والتي تاخذ في بعض الحالات صبغة حادة خاصة، عندما يتمادى الطرف الآخر في خطاباته التخوينية ليطال بعض المناضلين الديمقراطيين على المستوى الأوروبي، الذين ما تصوروا يوما انهم يمكن ان يطالهم التخوين من طرف هؤلاء، هذا بالرغم من سكوتهم على ما قيل من قبل ،في حق مناضلين صادقين بالداخل الذين يشاركونهم نفس القناعات الديمقراطية والحداثية ،وبالرغم من مجاملتهم ، فيما سبق ولحد الان ،للكثير من رواد خطابات التخوين ..
أقول مشروعا ديموقراطيا محتشما تنقصه الفعالية و الوضوح للاعتبارات التالية .
أ/ كون ديمقراطيي أوروبا لم يضعوا حدا فاصلا بعد ،بين المشروع الديموقراطي وما يقتضيه من انفتاح على كل الفعاليات الديمقراطية المتواجدة بالمهجر، بمختلف انتماءاتهم العرقية والثقافية واللغوية ،باعتبار أن المشروع الديموقراطي الحداثي ، هو مشروع مجتمعي لكل المغاربة التواقين للحرية والديموقراطية . وبين انتمائهم للعرق ، وليس للريف بمختلف تعبيراته الثقافية واللسنية، والذي بقوا سجناء له بالشكل الذي شل قدرتهم على تفعيل ما هم مقتنعون به من أفكار ديمقراطية و حداثية وتحويلها إلى مشروع مجتمعي بديل للريف و لعموم المغاربة . بل اكثر من ذلك انهم وضعوا انفسهم في موقع لا يستلد الا ما هو معادي لاي مشروع ديمقراطي .في موقع يشكل الارضية الخصبة للفكر الشوفيني المتعصب للعرق، وبالتالي فقدانهم لروح المبادرة ، مما جعلهم في الكثير من الأحيان يكتفون بتدبير الممكن ،والانسياق في مرات عديدة للخطاب الشوفيني الذي يتحكم في تظاهرات حراك أوروبا من خلال عملية الانزالات والعنف التي يمارسها متزعموه في الكثير من التظاهرات و حتى تلك التي تكون مندرجة ضمن برامج وتنظيم الفعاليات المحسوبة على المشروع الديموقراطي .
ب/ عدم تمكن الفعاليات المحسوبة على المشروع الديمقراطي والتقدمي من تجاوز جراحات الماضي ،والحسابات السياسية الضيقة بل وحتى النفسية منها ، سواء بين المنتسبين الي منطقة الريف، او غيرها من جهات الوطن وذلك من أجل صياغة برنامج حد أدنى للعمل النضالي المشترك، وتجردهم من ولاءاتهم الحزبية وانتماءاتهم العرقية، لان مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، نظرا لما يمر به المجتمع المغربي من مرحلة دقيقة ولحظة مفصلية في تاريخية ،ستحدد لا محالة، وعلى المدى المنظور، مصير الدولة والمجتمع. . .
وانطلاقا مما نعيشه من تطورات مجتمعية سمتها الاساسية اتساع الهوة وانعدام الثقة بين الدولة بمختلف مؤسساتها والمجتمع من جهة، وبين هذا الأخير وما يختزله من مؤسسات حزبية ووسطية تم تجاوزها بعد أن فقدت مصداقيتها ،فاضحى المجتمع في مواجهة مباشرة مع الدولة يبدع في أشكال احتجاجاته التي ما فتئت تتسع وتتنوع على ما يعيشه من أوضاع مأزومة . .اننا فعلا أمام مرحلة تستدعي من النخب التقدمية والديمقراطية تبوء صدارة المبادرة الفكرية والسياسية ، ليس بالضرورة من خلال العمل على تغيير موازين القوى لصالحها وفق التحليل الطبقي للصراع، فهذه مهمة تكفل بها المجتمع نيابة عن الجميع بعد ان يأس من انتظار الادات الثورية ستتكفل بمهمة التغيير!، بل فقط من خلال ما يمكن أن تبديه من قوة اقتراحية تساهم في إنتاج مفردات مخارج الحل لما يعيشه المجتمع والدولة من ازمة مركبة تكاد تعصف بالجميع، خاصة امام عجز النخب الرسمية التي شاخت في عمرها البيولوجي والسياسي على إيجاد مفردات الحل ،واكتفت بالتطبيل للمقاربة الامنية التي لا تزيد الأوضاع إلا احتقانا وتفجيرا.
أقول قولي هذا لؤأكد على أن القوة الاقتراحية ليست قيمة كمية دائما ،بل حسب ما وصل إليه المجتمع من اوضاع ومن ابداع في أشكال مقاومته للظلم والفساد ، يجب أن تكون كيفية ونوعية تستقطب إليها كل الفعاليات الديمقراطية الوازنة سواء بالداخل أو المهجر التي يمكن أن تساهم في تقويم ما شاب وعينا الجمعي من أفكار وسلوكيات شقية من جهة، وتؤثر في مراكز صنع القرار من جهة أخرى.
ت / أمام ما يعيشه المناضلون المحسوبين على التوجه الديمقراطي واليساري من تشتت وانعدام في وضوح الرؤيا التي تأثرت بما سيد الحراك الشعبي خاصة الريفي ، من مفاهيم معادية واوصاف قدحية في حق كل ماهو منظم ،دون تمييز .لابد من القول على أن الحل لهذه المعضلة هو ان يشتغل المناضلون بعقلية التجاوز ،وليس بالاستكان او المجاملة . بعقلية النقد والمجابهة الصريحة للمفاهيم الشوفينية ،والعمل على خلق آليات للعمل المشترك مع باقي الفعاليات الديمقراطية من مختلف جهات الوطن المتواجدة بالمهجر، علي قاعدة برنامج حد أدنى، مع البحث الدؤوب عن شركاء بالداخل الذين يتقاسمون معهم نفس الاهتمامات والانشغالات .انه السبيل الوحيد للمساهمة في صنع مغرب المستقبل كبلد يتسع لجميع مواطنيه ومواطناته ،السبيل الأنجع لمزاحمة ما يطبخ الان في مراكز صنع القرار من سيناريوهات لمغرب الغد ، كما انه السبيل كذلك لتقزيم وتذويب الافكار الشوفينية في النسيج الاجتماعي المغربي العام.
في الختام لا بد من الإشارة أن في مثل هذه الظروف التي يمر بها الحراك الشعبي الريفي بأوروبا التي تتسم بسيادة الخطاب الشوفيني والاقصاىي ، الذي ابى الا ان يحشره في كانتونه العرقي .هذا في الوقت الذي يعيش فيه المنتسبون للمشروع الديموقراطي الحداثي. من أبناء الريف ، على ايقاع التردد وعدم الوضوح ، مما أثر على مردوديتهم رغم توفرهم علي قدرات مهمة، تجلت في ما قدموه للحراك ولعاىلات المعتقلين من أعمال ومبادرات ادخلته الى الكثير من المحافل الدولية والاوروبية .كما أن هذا الغموض الذي يسود تصوراتهم هو من افقدهم روح المبادرة من أجل تقويم الحراك، و أفقدهم القدرة على الانفتاح على باقي الفعاليات الديمقراطية والتقدمية بالمهجر المنحدرة من باقي جهات الوطن .
وانطلاقا مما سبق فإني لا اشجع اصدقائي ورفاقي في المهجر علي عقد مؤتمرهم الأوروبي دون أن يمتلكوا تصورا واضحا لاستحقاقات هذا المؤتمر، ودون أن تكون هناك ضمانات كافية من داخله للقطع مع الخطاب الشوفيني . والا فان المؤتمر سيتحول إلى ساحة اقتتال أخرى ، ستعيد انتاج المزيد من التطرف والانعزال، وسيجد المناضلون الديموقراطيون أنفسهم متورطين في أجندة رواد الخطاب الشوفيني ، المعادي والمناهض للمشروع الديموقراطي الحداثي .وهم بخطاباتهم الشوفينية تلك يشكلون الوجه الآخر للخطاب الأصولي الديني ، ويلتقون موضوعيا معه في مناهضتهم لكل ما هو حداثي ديمقراطي وتقدمي.
طنجة في ٢٥ ماي ٢٠١٨
د .تدمري عبد الوهاب































