التبريس: خالد الزيتوني.
عادة موغلة في القدم والتاريخ، تلك التي تعرفها قبيلة بني ورياغل إحدى أكبر القبائل المكونة للريف. الحج إلى ” جبل حمام ” أصبح يكتسي طابعا ثقافيا وعادة يختلط فيها الروحي بالاجتماعي، الأمر أصبح يشبه وضعية مكة المكرمة قبل ظهور الإسلام حيث تحج القبائل للتبرك بالآلهة الموجودة داخل أسوار الكعبة، وذلك مرة في السنة حيث يتشكل على هضبة الجبل المذكور والذي يعتبر من القمم الأكثر شهرة بالريف سوقا تجاريا كبيرا تحج إليه الدواوير والسكان من مختلف مناطق الريف، إما لزيارة ضريح سيدي بوخيار، أو لممارسة التجارة، أو لإحياء بعض الطقوس التاريخية القديمة.
ويوجد ضريح ” سيدي بوخيار ” على هضبة جبل يصل علوه إلى 1948 متر، ويسمى جبل ” حمام “، يبعد بأربعة كيلومتر من مدشر ” رمعاذن “، التي تعني بالعربية ” المعادن “، التابع لقرية ” ثمازغا ” بجماعة شقران التي تتميز بتربية الماشية خاصة المعز الجبلي المعروف بجودة لحمه وكذلك العسل الحر.
وما يضفي على جبل بوخيار أهميته، هو على ما يبدو الكنز العظيم الذي يمثله منجم الذهب، الواقع بسفحه الجنوبي. وقد كاد هذا المنجم أن يؤدي إلى أزمة ديبلوماسية بين المغرب وفرنسا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
وشكل المكان موضوع الاستطلاع مادة خصبة للباحثين في مجال التاريخ والمجتمع الذين اهتموا بالريف، خاصة من طرف علماء الأنثربولوجيا الكلونيالية، حيث تورد العديد من المصادر أن ضريح سيدي بوخيار يوجد بالقرب من منجم الذهب الواقع بسفحه الجنوبي، وقد أوردت الكثير من الروايات أن الثروة المعدنية ذاتها كادت أن تؤدي في مناسبات عديدة لأزمة ديبلوماسية بين المغرب وفرنسا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
ضريح ” سيدي بوخيار ” هو عبارة عن بناء قديم مبني من الحجر والتراب، على شكل مستطيل لا يفصله عن الفضاء الواسع أي سقف، كما أن الضريح من الداخل حيث يرقد ” سيدي بوخيار “، خال من أية نقوش أو زخرفة، يحاذيه من جهة الغرب مسجد عتيق متقادم يحمل اسم الولي الصالح، بينهما مساحة شاسعة تكفي لاحتضان سوق كبير تؤمه قبيلة بني ورياغل يصطلح عليه ب ” سوق الصالحين “، عادة ما يعرض فيه الفلاحون منتجاتهم الفلاحية كالعسل، وثمرة البلوط، والفواكه الجافة خاصة التين الذي تتميز به المنطقة، ويقام السوق في اليوم الأول من زيارة الحجيج لضريح سيدي بوخيار، الذي يصادف وقوف الحجاج بجبل عرفة بمكة المكرمة، وتحكي الكثير من الرويات الشفاهية أن الولي الصالح
” سيدي بوخيار “، كان مكانا ذو أهمية بالغة حيث يجتمع شرفاء وأعيان المنطقة، وما يضيف للمكان قيمة روحية ودينية أخرى ناحية الشمال الغربي لقمة جبل ” حمام “، بمكان يسمى ” ثامرابط “، وجود قبر ولية صالحة لازالت تتواتر حكاياتها نساء الريف، ويتعلق الأمر ب” رالا منانة ” أو كما يسميها أهل الريف ب ” راجا منانة “، ولا يجزم الكثير من الباحثين بحقيقة العلاقة التي كانت تربط بين هذه الولية والولي ” سيدي بوخيار “، غير أنه من الواضح أن للولية المذكورة بدورها أهمية روحية هي الأخرى نظرا لكون الحجاج يطوفون حول قبرها 3 مرات قبل صلاة الظهر أثناء أدائهم لمناسك الحج، كما يقومون وانطلاقا من الموقع ذاته برمي الجمرات في طقوس وتقاليد شبيهة بتلك التي تقام في الحج، ويحكي دافيد هارت الباحث الأنثربولوجي الأمريكي المعروف الذي أفرد كتابا حول الريف وقبيلة بني ورياغل عن أوجه الشبه بين هذه المناسك وشعائر الإسلام.
ورغم استمرار حج العديد من سكان قبيلة بني ورياغل، والعديد من الأشخاص من قبائل أخرى من الريف للمكان، فإن العديد من حفظة القرآن الذين يرابطون بضريح سيدي بوخيار، وكذلك بعض الفقهاء عبروا عن اعتراضهم لهذه الطقوس، وحذروا من تعويض الحج للولي الصالح، بالحج لمكة، وهو ما أدى لنشوء رأي مخالف لما كان قد أقره ولي صالح آخر يسمى سيدي ” محند “، كان قد أفتى في وقت سابق بتشابه المناسك بين سيدي ” بوخيار ” وطقوس الحج، حيث يسمي معظم سكان الريف الحج للولي الصالح، بحج الفقير الذي لا مال له ولا استطاعة، ويساوي في أجره نصف الحج للديار المقدسة.
الحجيج ولمجرد وصولهم إلى الضريح يقومون ببدء شعائرهم حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا، من خلال الطواف حول الضريح، والتهليل والتكبير، جماعات ومن خلال حلقيات كبرى يتوسطها شيوخ كبار يعملون على ترديد بعض الأذكار، وبعدها أي قبل صلاة الظهر بقليل يبدء مسلسل نحر القرابين التي بها يتم إطعام الفقهاء والمرتادين على الضريح، حيث الصدقات توجه عموما إلى هؤلاء فيما يستثنى باقي الزوار الذي يبحثون عن غذائهم في المحلات التي عادة ما تنتشر في المكان بما يشبه الأسواق القروية، والتي تتخصص في شي السردين وإعداد أكلة ” البيصارة “.
أشرف بلعلي رئيس نادي اليونسكو لحماية التراث بالريف يؤكد في تصريح ل”الأحداث المغربية “، على أن الحياة الدينية خلال القرن الماضي كانت قد فقدت كل أسباب ازدهارها، ويجزم بالحكم عليها بالركود واعتبر أن معالمها كانت قد انتفت ولم يبقى لها أثرا، إلا في صورها الجامدة، وأضاف ذات الباحث المهتم بتراث الريفيين أن المواسم الروحية بالمنطقة تعتبر وسيلة لتثمين الموروث الثقافي، وما ينتج عنها كذلك من حركية كبيرة على مستوى التنشيط الاقتصادي للمدن والقرى المجاورة لمثل هذه الأضرحة، ويضيف في تصريحه على أن مثل هذه الأشكال تعتبر فرصة ثمينة للتعريف بالثقافة الريفية الأصلية، باعتبارها صرحا أساسيا يساهم في موقعة الريف كوجهة ثقافية وروحية.
ورغم تأكيد السكان المحليين على أن الموسم يفقد كل سنة وهجه وبريقه بعد أن كان في السنوات السابقة قبلة للآلاف من داخل المغرب وخارجه، فإن العديدين بمن فيهم أعضاء نادي اليونسكو لحماية التراث الثقافي بالريف يرجعون ذلك إلى عدة أسباب بعضها راجع إلى قساوة الطبيعة بجبل حمام حيث البرد ووعورة التضاريس، وبعضها الآخر مرتبط بالجانب الديني حيث تعارض الطائفة الدينية المتشكلة من بعض رجال الدين المشارقة والفقهاء، والجماعات الدينية المتطرفة مثل هذه المواسم التي تعتبرها من بقايا الوثنية البدائية، حيث تدعوا بشكل صريح وعلني لاستئصال هذه الأضرحة وتخريبها، وذلك ما تم بالفعل العام الماضي عند قبر “راجا منانة.


































