الحكاية ابتدأت لما تم الإعلان في الأيام القليلة الماضية، عن فوز نجلة مديرة دار الثقافة بالمرتبة الأولى في مسابقة ثقافية عن بعد، صنف الصور الفتوغرافية، من تنظيم نفس المؤسسة خلال مرحلة الحجر الصحي، والهدف المعلن من طرف المديرية الإقليمية هو صقل مواهب الشباب وتشجيعهم على الابداع، وأعلنت في نفس الوقت عن نظام المنافسة بشكل مقتضب وهو من يفوز بأكبر عدد من الجيمات يفوز بالجائزة التي يبدو حسب المديرة الإقليمية لها بعد رمزي ليس إلا.
الشاب شاكر بومعلوف وهو تلميذ بالباكلوريا يتابع دراسته ببني بوعياش ، رسام وفوتوغرافي فضلا عن كونه لاعب لكرة القدم في أحد الأندية بنفس المدينة، “تفاجأ” بالنتيجة التي أعلنت عنها دار الثقافة وتشبث بأحقيته في الفوز لكونه حائز على أكبر عدد من اللايكات 1906 مقابل 1530 للفائزة الأولى، انسجاما مع قواعد اللعبة المعلنة. وظلت هذه الأرقام مسجلة على صفحة دار الثقافة طيلة أطوار المسابقة دون أن يُشعر أيّ من المتنافسين بتغيير ما هَمّ قاعدة المنافسة، يمكن بموجبه إقصاء هذا المتنافس أو ذلك.
ومما جعل الجدل يرتفع أكثر هو شيوع خبر الفائزة وهويتها والتي لم تكن سوى نجلة المديرة الإقليمية لدار الثقافة، وهو ما حوّل مجرى الصراع حول مشروعية هذا الفوز نظرا لكون علة القرابة تتضمن مسبقا إمكانية وجود شبهة ما، وبدأت الشكوك تتصاعد وانتقل الصراع إلى مستويات أخرى حيث تدخلت عدة أطرف إعلامية وسياسية على خط المواجهة مطالبة بالتراجع عن منح الجائزة للمعنية وتسليمها لمن يستحقها بل وصلت الأمور إلى حد المطالبة باستقالة المديرة الإقليمية حفظا لسمعتها.
وقد ظلت كرة الثلج تتدحرج وتكبر مع الأيام بسبب تدوينات متتالية للشاب شاكر بومعلوف الذي كسب تعاطفا واسعا وتناقلت أخباره عدة مواقع الكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، وأخذت الأمور منحى جديا بات يضع المديرة الإقليمية في قفص الاتهام، مما حذا بهذه الأخيرة إلى إصدار بيان توضيحي موقع بالاسم والصفة، حاولت أن ترد فيه على الحملة الموجهة لها وتبرر سبب إقصاء شاكر بومعلوف، متهمة له بسعيه للحصول على لايكات وهمية وادعت، كذلك، انه تم فرز هذه الأخيرة عن الحقيقية، وهو أمر يثار لأول مرة ولم يتم الإشارة له في قواعد المنافسة، وهو ما اعتبره الكثير من المهتمين أن المديرة لم تتوفق في ظهورها الإعلامي ببيان لم يصغ بمهنية كاملة وتخللته ركاكة وسقوط في نوع من الجدالية فضلا عن أخطاء بارزة ، بيان لا يطوي الجدل بل يبقي عليه ويصب مزيد من الزيت على نار النقد المتصاعد ضد المديرة الإقليمية ويطرح بشكل جدي مدى قدرة هذه المؤسسة على الاضطلاع بالمهام المنوطة بها في ظل الطاقم الإداري المسير.
ومن المؤكد أن دار الثقافة إبان الإعلان عن المنافسة لم تشترط أن تكون اللايكات من المغرب أو الحسيمة أو من مكان محدد، رغم استحالة ذلك تقنيا، بل كانت القاعدة عامة هي الحصول على أكبر عدد من الاعجاب ، ومادام أن المسابقة تُجرى على مستوى العالم الرقمي، فمن المعيب حصر الاعجابات بالمغرب دون الخارج، علما أن العالم أصبحت قرية صغيرة، فضلا عن ذلك فإن الادعاء بأن هناك إعجابات وهمية وأخرى حقيقية كلام مردود على السيدة المديرة، لأن الذين صوتوا ليسوا ربوات ROBOTS بل هم بشر بلحم ودم لهم فيسبوك وصور وينشرون على جدرانهم كما ينشر باقي البشر ويتبادلون الاعجابات، أما قصة أن هناك وسائل تم الالتجاء إليها من أجل الحصول على أكبر من اللايكات ، فهذا الأمر، إن وجد، فلا ينطبق على شاكر بومعلوف فقط بل على جميع المشاركين ذوي الجيمات الكثيرة وعلى رأسهم نجلة المديرة، فالحصول بشكل تلقائي على ما يفوق 1500 جيم لا يتحقق عادة سوى للمشاهير الكبار في عالم الفن والثقافة، فهل نجلة المديرة في مقام المشاهير؟ بالجزم.. لا ، علينا بشيء من التواضع والواقعية، وإذا عرف السبب بطل العجب ! وإلا فإن القاعدة التي أومئ إليها البيان التوضيحي للمديرة الإقليمية يمكن استعماله هنا : ” البينة على من أدعى واليمين على من أنكر”.
الطريق الممكن للخروج من المأزق هو الإقرار بالخطأ الذي ارتُكب إبان وضع المنافسة، حيث لم يتم التدقيق في قواعد صارمة للمسابقة تكون في علم الجميع، وهي مسؤولية تتحملها الجهة المنظمة وبمنطق تحصيل حاصل كل ما ينتج عنها تبقى المسؤولية عالقة بها.
وقد كان حريا، من الناحية الأخلاقية، أن تتعفف نجلة المديرة عن المشاركة، علما أنها من الناحية القانونية ليس هناك ما يمنعها من ذلك كيا أيها الناس، لكن درءا للشبهات المحتملة، والتي أصبحت اليوم أمرا واقعا، كان بإمكان تجنبها لو حادت عن المشاركة، لأن أي تبرير كيفما كان نوعه يمكن أن تقدمه المديرة سيفهم بأنه مصادرة على المطلوب، ولأنه في جميع المسابقات والمنافسات تطرح دائما هذا النوع من الإشكالات عندما تكون هناك متبارية أو متباري تربطه قرابة مع الجهة المؤهلة لاتخاذ القرار، ولنا في جميع الميادين، ليس الفن وحده، تجارب هزت الرأي العام وما يزال يستذكرها بنوع من السخط، لأن أقرباء لهم تدخلوا بطريقة من الطرق لكي يفوز أبناءهم، وقد جلبت عليهم وصمة عار لا تمحي.
نتمنى أن لا يضيق قلبنا تجاه انتقادات الشباب، وأن نعلمهم كيف يتحلّون بالمسؤولية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالثقافة، وقد كان هناك شعار مُثبّت على إحدى جدران تلك الدار لمدة طويلة يقول فيه صاحبه: ” عندما ينتهي كل شيء تبقى الثقافة “. ومن يطلب الريح عليه أن لا يبكي على تناثر التبن ” وني إِتتّانْ أريح وايترو خُرُومْ”. ولذلك على السيدة المديرة أن تتدخل لتطويق الحدث وإنهاء الجدل، وما تزال أمامها الإمكانيات والفرص من أجل الخروج من هذا المأزق ، وقد كان بإمكان تجنبه لو حضرت الحكمة والروية وشيء من التبصر، لأن منطق الثقافة يتطلب مساحة كبيرة لتقبل الآخر، وأن “الثقافة التي تخاف على نفسها من هجمة قط الجيران هي ثقافة الفئران”.
ألتبريس































