التبريس: متابعات
ابتداء من عدد غد سننشر في «الأحداث المغربية» حوارا مطولا مع المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي، حول النقاش الدائر بخصوص اللغة المغربية. حوار العروي غني ومفيد وعميق جدا، لأن صاحبه رجل علم ومعرفة،وصاحب نسق في التفكير، عقلاني و منهجي، وأيضا لأن الموضوع الذي يخوض فيه مهم وخطير.
وفي انتظار اطلاع القراء على رأي عبد الله العروي في هذا الموضوع، لا بد من الإشارة إلى أن رأي الرجل سيكون له مكانة كبيرة، بحجم مكانة الرجل. وهذا الأمر يحيلنا على «النقاشات» التي تدور في البلد حول عدة قضايا، والتي يخوض فيها من هب ودب في غياب شبه كلي للنخبة المثقفة.
لقد عرف المغرب، كباقي بلدان جنوب المتوسط، خلخلة في عدة مفاهيم، وهزة أربكت المجتمع بكل مكوناته. وخلق الوضع «حركات» شبابية بالخصوص، تتمرد على واقع سياسي، وتطالب بالعدالة والمساواة والكرامة… لكن في خضم هذه الحركية غاب المثقف وفسح المجال لبولميك سياسي تقوده المصلحة والشعبوية أكثر مما يوجهه العقل والمنهجية العلمية، وأنتج أحيانا مشهدا غاية في السوريالة والعبث.
في الواقع اليومي ببلادنا ننجر إلى نقاشات،سواء في الصحافة أو في المواقع الإجتماعية على الأنترنيت أوفي الملتقيات والتجمعات السياسية، نقاشات قد تصل حد الإسفاف والتفاهة، وقد يغيب فيها التحاور بالعقل إلى التحاور بالعضلات أو بشحد الألسن بالسباب والقذف وغيرها.
نقاشاتنا تصير في الحضيض رغم كونها تتعلق،أحيانا، بقضايا مصيرية وقضايا تتطلب اتخاذ المواقف التي قد ترهن البلاد لسنوات عديدة قادمة. لكن، وللأسف يغيب الفاعل المثقف من المسألة، وبالتالي تغيب البوصلة وتتيه القضايا في البوليميك السياسيوي والشعبوي والعبثي الغير ذي معنى، الذي لا يزيد الوضع سوى تأزم وضبابية.
لقد غادر المثقفون، في بلادنا الساحة، وبفعلهم ذاك تركوا القطار بدون قاطرة، فبات الرأي سريعا، سهلا، ومستسهلا للأمور، ودخلنا في عبث لا نعلم أين سينتهي بنا. وعوض العروي وسبيلا واللعبي وبنعبد العالي وبنيس وبرادة وغيرهم كثير، أصبحنا نرى أشباه مثقفين ،وأحيانا أميون جهلة، يخوضون في قضايانا بكل وقاحة…
هل يتحمل المثقف مسؤولية هذا الهروب؟ أكيد. فعلى الرغم من تلغم الوضع وسوريالية المشهد،إلا أن المفكر من مسؤولياته، الصدامية التي تفرضها مهمته في تشريح الواقع. فالمشرط قد يشعر بالألم أو بالتقزز على الأقل، لكنه ضروري للتشخيص الدقيق. والمثقف حينما يهجر موقعه، إنما يساعد على استفحال الداء، والأخطر من ذلك،يساعد على ظهور تجار الحرب والطفيليين.…































