المغني الأمازيغي المغترب : بنحدو عبد العزيز (الطنجوي)
من خلال شهادة زميله : محمد الزياني: (الحلقة الثالثة )
في هذه الأجواء سبق لعبد العزيز أن تعرف على بعض المواهب الغنائية بكل من ثانوية أبي يعقوب البادسي والمعهد الديني ( الإمام مالك حاليا ) وأغلبيتهم تلاميذ بنحدرون من مدن الداخل ، سرعان ما استعاد معهم صاحبنا جزءا من نوستالجيا ماضيه الطفولي ، منهم الإخوة : ” أكاريدان ، وبوزردة وحميد …يساندهم في ذلك شقيق البرازي (أستاذ مادة الرياضيات بالبادسي وقتذاك) هذا الأخير الذي كان يتقن العزف على الكمان كما على مختلف الآلات الوترية.. فكانوا كلهم طاقة وحيوية في تاطير بعض التظاهرات الثقافية من خلال الأغنية والمسرح التي كانت تحتضنها فضاءات الثانويتين المذكورتين وقاعات مدرسةعلي بن حسون وع العزيز الورياغلي (مدرسة البنات) ثم قاعة القسم الداخلي كمجالات كانت تسمح بالاحتكاك المباشر مع الجمهور المتعلم من تلاميذ ومؤطريهم من نساء ورجال التربية المتعطشين كلهم لهذا النمط الغنائي الجديد…. في هذه الفترة ، كان عبد العزيز معية هؤلاء الشباب الموهوب يتخذون من دار الشباب القديمة (بشارع الحسيمة/ مولاي ع الله حاليا ) مقرا لتداربيهم وصقل مواهبهم . وكيف لا ؟ ومرافق هذه الدار كان يشرف على تسييرها نخبة من أبناء المنطقة الذين كان لهم السبق في تجسيد بعض التجارب الفنية على رأسها المسرحية والرياضية كألعاب القوى : الجيمباز وغيرها …من هؤلاء نذكر : محمادي لمعكشاوي و مصطفى الإدريسي والمرحوم حميد الرفاعي وعبد السلام الوعزيزي وبوزيان والبغدادي واحميدو لمعكشاوي رحمه الله … وفي هذه الدار كان لقائي الأول مع تلك الحصص التدريبية التي دعاني لحضورها يوما عبد العزيز بعد ان تبينتْ له آثار تلك اللسعة الغيوانية التي أصابتني بدوري مبكرا ..وما ساعد على دوام واستمرار هذه الألفة الفنية بيننا: علاقة الجوار التي جمعت أسرتينا بشارع حجرة انكورسنوات72 /74 بعد نزوح عائلتي من حي “دهار نمسعوذ ” نحو المدينة ، من دون مبارحتي ـ إلى اليوم ـ لفاضاءات ذاك الحي الشعبي ولحنان وعطف وبساطة أناسه الطيبين والذي ظل على الدوام منبت تجربة ” تواتون ” وحضنها الرحب .
وقبل هذه الفترة ،كانت لعبد العزيز علاقات موسيقية سابقة تجسدت في محاولات جنينية مع أبناء حيه (باريو) منهم خالد بودرة أطال الله في عمره وعلي دودوا رحمه الله وآخرون ، قبل أن يرتبط ارتباطا وثيقا بباقي الشباب الذين سيشكل معهم فيما بعد مجموعة تواتون الغنائية ، منهم ، إضافة لجاره الزياني محمد ، المرحوم المعكشاوي محمد وبوجمعة أزحاف وجمال حميد وكذا مع عبد المجيد ثيرلي…ومن بعده محمد عمي..
في السنوات الأولى للعقد السبعيني ، بدأت الزيارات المنتظمة لمنطقة ثازروط بحي (دهار نمسعوذ) و التي شكلت إحدى المعالم المجالية التي احتضنت تجمعات الشباب وحلقات نقاشاتهم السخية في غمرة الانتشاء بما جادت به قرائح الشعراء ومعزوفات هذه المواهب الموسيقية الصاعدة … وبهذا الموقع بالذات شرع هؤلاء الشباب في تلمس طريق الممارسة الغنائية الفعلية بعد انسلاخهم التدريجي من مخالب التقليد الغيواني الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وقتذاك ..فانتقلت المجموعة نحو ضفة الإبداع في الأغنية الأمازيغية بدءا بترديد مقاطع من إزران تراثية على شاكلة أغاني الفنان موذروس ويامنة الخماري وفاطنة العباس وشعطوب وبنسالم الجيلالي وآخرين ..ثم شيئا فشيئا شرعت المجموعة في الاشتغال على مقامات وإيقاعات محلية امازيغية من قبيل : “ربحار مارا يتهاج ونتهيج أكيذس /// قنشين ذيغزران ودنتيس أكيذس ” ولم يخل ذلك من توظيف مقاطع شعرية أمازيغية في قوالب موسيقية عالمية ذات الشهرة الواسعة مثل : ترديد لازمة “أمريكا إنقيت الجوع ” على نغم وإيقاع فرقة BONY M الغربية …مع محاولات أخرى لترجمة اشعار واغاني شهيد الأغنية الملتزمة والتحررية victor Jara وأخرى ل Bob dylanفي رائعته ” الجواب يا صديقي في مهب الريح” The answer, my friend, is blowin’ in the wind التي ألهمت حناجر الشباب وقتذاك. وكذا Cat Stevens مع محاولة الشاعر حسين الحدوتي في محاكاة إحدى أغانيه من خلال الأبيات التالية :
” أيامسايري جايثران اتزيري
غمز واتحاذا كلشي ذازري
أخيق وريتيري امطا وارديهوكّي
زغرّكاج تشهباث زغراذاس أمثموث
ربحار أديسفي نشنين أنموتي
، اثفويث ما را ثغري اجيت إراتيري
سبحان الله العظيم إدجين إثران تازيري…”
ساهم عبد العزيز في تأسيس وتطوير أغنية ” تواتون” شكلا ومضمونا بحيث إضافة لاشتغاله، في بداية مشواره ، على (الطبلة ـ الطمطم) قبل أن ينفرد بمداعبة مختلف الآلات الوترية بعزفه على : البانجو (السنتير) والموندولين والبنزوق ، اهتم أيضا بنظم بعض القصائد الشعرية الأولى مثل ” ثغراسث” .. واقتبس من المورث الغنائي الشعبي أغنية ” الزاويث” ” واستعرض بعض ما تختزنه الذاكرة الشعبية من عادات ورموز ظلت راسخة في الوعي الشعبي من قبيل مطولة ” الجيرث إيعذون أورجغ أموثغ” ( التي تتداولها العامة في الفواجع ورثاء الأحبة ) تماما كما اشتغل ولايزال على ترتيب وغناء شذرات من الملاحم البطولية للمقاومة الريفية ومختلف الأشعار التي تتغنى بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية في مختلف البؤر المشتعلة في العالم ...(يتبع)

































