شهدت كلمة ناصر الزفزافي، التي ألقاها قبيل لحظات من تشييع جثمان والده أحمد الزفزافي، تفاعلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والسياسية بالمغرب. فقد تناول عدد من الإعلاميين والمثقفين مضمون الكلمة باعتبارها لحظة فارقة تجاوزت التعبير عن الحزن الشخصي، لتتحول إلى رسالة جامعة استوقفت الرأي العام الوطني، وأثارت نقاشاً حول دلالاتها وأبعادها الرمزية.
ففي تفاعله مع كلمة ناصر الزفزافي، اعتبر الإعلامي توفيق بوعشرين أن ما قيل لم يكن مجرد وداع إنساني، بل رسالة سياسية واضحة. فقد تحدث ناصر باسم المغاربة جميعاً، نافياً أي نزعة انفصالية أو جهوية، ومؤكداً أنه مغربي قبل أن يكون ريفياً، وأن انتماءه للريف ثقافي ولغوي فقط، وهو ما أعاد رسم صورة الحراك باعتباره اجتماعياً بالأساس.
بوعشرين شدد على أن الزفزافي أزال الشبهات التي رافقت الحراك، وأكد بجرأة أن الريف جزء لا يتجزأ من المغرب، وأن محاولات الخارج لزرع بذور الانفصال لا أساس لها. بل ذهب أبعد من ذلك حين أعلن استعداده للتضحية بدمه دفاعاً عن الصحراء، وهو موقف وطني اعتبره بوعشرين صادقاً، يعكس عمق الانتماء وياعتبركشف عن تحول في خطاب ناصر بعد سنوات السجن.
واعتير بوعشرين أن هذه الكلمة، رغم قصرها وارتجالها، حملت رسائل أقوى من خطب السياسيين، لأنها صدرت من رجل مفجوع في أبيه وواعٍ بمسؤولية اللحظة. بالنسبة له، ما قاله ناصر يمثل بارقة أمل لفتح صفحة جديدة وإغلاق ملف حقوقي طال أمده، إذا أحسنت الدولة قراءة هذه الإشارات والتقاط رمزيتها في الوقت المناسب.
من جهته الكاتب والإعلامي وعضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عبد الحميد اجماهري، أكد أن كلمة ناصر الزفزافي، التي ألقاها قبيل تشييع جثمان والده، حملت دلالات رمزية عميقة تتجاوز المشهد الإنساني المباشر. واعتبر أن وداع الزفزافي لوالده وعناقه لوالدته بعد سنوات الحرمان، يمثل لحظة تختزل معنى الحرية، مشيراً إلى أن هذه الرمزية يجب أن تتحول إلى مدخل لإعادة النظر في التعاطي مع ملف حراك الريف، بما يفتح أفق الانفراج ويساهم في طي صفحة من الجراح.
وأضاف اجماهري أن الزفزافي وجد نفسه يخاطب الناس “حراً” في فضاء عام، رغم استمرار الحكم القضائي بحقه، وهو ما يضعه في موقع استثنائي يفرض التفكير في مستقبل الملف. وأكد أن كلمات الزفزافي تعبر عن وطنية صادقة وترد عن رفاقه الأحكام والتهم الجائرة، موضحاً أن ما يليق به اليوم هو الحرية، باعتبارها السبيل الأمثل لتجاوز هذا الملف بشكل مسؤول، وتحويل لحظة إنسانية إلى خطوة شجاعة نحو مصالحة أوسع.
الكاتب والإعلامي عبد الصمد بنشريف، الصحفي بالقناة الثانية ومدير قناة الرابعة سابقا، أكد أن كلمة ناصر الزفزافي، التي ألقاها خلال جنازة والده، جاءت بليغة وعميقة وواضحة وناضجة ومتزنة ومسؤولة. وأوضح بنشريف أن الكلمة حملت رسائل صريحة يصعب تأويلها بشكل مغرض أو قراءتها بطريقة ماكرة، وانطوت على مواقف مبدئية تتسم بالوطنية العالية.
وأشار إلى أن السياق والتوقيت يعكسان دلالات خاصة، داعيًا إلى أن ينتصر صوت الحكمة والتعقل، وأن تتخذ الدولة قرارًا بإطلاق سراح ما تبقى من معتقلي حراك الريف، وفي مقدمتهم ناصر الزفزافي. واعتبر بنشريف أن قرارًا من هذا النوع سيكون له وقع إيجابي كبير، وسيضمد الكثير من الجراح وينهي معاناة المعتقلين وعائلاتهم.































