الغبزوري السكناوي
في زمنٍ تدار فيه السياسة بـ”الهاشتاغ” وتصنع المواقف على منصات التواصل أكثر مما تصاغ في قاعات البرلمان، خرج جيل جديد لا يعترف بالبلاغات ولا ينتظر الخطابات المطولة. جيل Z ليس مجرد جمهور، بل فاعل رقمي يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسياسي، بين الشاشة والكرسي، بين السلطة والصوت. تربى على سرعة المعلومة، وعلى أن.الحقيق تلتقط من البث المباشر لا من بلاغ متأخر. أمام هذا الوعي الشبكي، السياسة تحولت إلى مسرح مفتوح، ومن لا يتقن لغته يخرج منه خاسرًا قبل أن يبدأ العرض.
الطبقة السياسية المغربية، حكومة ومعارضة، لم تسمع بعد جرس التحول الرقمي. لم يدرك أحد أن التواصل لم يعد ترفا، بل جوهر الفعل السياسي. الوزراء يتحدثون كمن يقرأ نشرة جوية في زمن العواصف الرقمية، والمعارضة ترد ببيانات شاحبة لا تقنع حتى كاتبيها. كل منصة كانت مفترضا أن تكون جسرا نحو الشارع تحولت إلى فخ للخطاب الرسمي. بدل أن تصلح الحكومة فجوة الخطاب والواقع، عمّقتها حين واجهت جيلا رقميا بلغة تنتمي إلى زمن “الصحاف”.
المفارقة أن بعض الوزراء ظنوا أن الظهور بلباس غير رسمي أو حذاء رياضي كافٍ لردم الهوة مع هؤلاء الشباب. سماهم البعض –تهكمًا – وزراء “السبرديلة”، ظنا منهم أن الصورة تعوض المعنى، وأن محاكاة المظهر تغني عن إتقان الخطاب. لكن الحذاء، مهما كان عصريا، لا يصلح تقليدي الأفكار، ولا يخفي هشاشة صاحبه حين يصطدم بأسئلة الواقع. سقطوا جميعًا على عتبة العالم الرقمي، ليس لغياب “الحسابات”، بل لافتقاد البوصلة التي توجههم نحو معنى الحضور الرقمي الحقيقي.
الأدهى أن المعارض لم تكن أفضل حالًا. بدل تقديم خطاب جديد يخاطب هذا الجيل، انشغلت بإعادة تدوير وجوه وخطابات من حقبة لا يعرفها جيل “التيك توك”، حتى لو بدت شبابية. الأحزاب تتحدث عن التشبيب وهي عالقة في شيخوخة تنظيمية مزمنة، والقيادات أمام الشباب كأصنام من زمن الديناصورات السياسية، تتحرك فقط لمنح دروس في التراجع. حتى الشبيبات الحزبية، مفترضا أن تكون المستقبل، تحولت إلى غرف مغلقة تتداول شعارات تذكر بزمن الحرب الباردة، بعيدة عن تفاعل الشباب الحقيقي.
الإعلام العمومي يتصرف كما لو أن الوعي يدار بجهاز تحكم عن بعد، وأن بث العيطة والدراما التركية أو المكسيكية يكفي لتسكين قلق الأجيال. نسي أن التواصل ليس تسلية، بل عقد اجتماعي حي، وأن الشباب لم يعودوا جمهورا في مدرج الانتظار. تعاملت المنظومة الإعلامية مع الوعي الجديد بذهنية البثّ الواحد، فاختزلت الحوار في الشعارات، والاختلاف في الفلكلور، وظنت أن الصورة تملأ الفراغ وأن الصدى يغني عن الصوت، لكنها أخفقت في فهم أن التواصل اليوم ينبع من عمق الشبكة، حيث تتحول الشاشة من وسيلة إلى ساحة.
هؤلاء اعتقدوا أن تغييب البرامج الفكرية والسياسية الجادة يكفي لتخدير الأسئلة، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان: الشباب ملأوا الفضاء الرقمي بـ”الحديث الحقيقي” الذي لم يجد طريقه إلى القنوات الرسمية. كشف هذا أن البث الأحادي زمن التواصل التفاعلي عبث مكشوف. هناك، في الهامش الإلكتروني، صار الشباب يصنعون المعنى ويعيدون تعريف السياسة والكرامة، وأثبت أن من لا يخاطبهم بلغتهم، سيواجه عاصفة رقمية من المبادرات التعبوية التي لا تهدأ































