صدر حديثا عن دار النشر الإسبانية «La Esfera de los Libros» كتاب جديد بعنوان “المغرب، الجار المزعج” للكاتبة والصحفية الإسبانية سونيا مورينو. ويُعد هذا الإصدار من أبرز الكتب السياسية الصادرة في إسبانيا خلال خريف 2025، إذ نُشر رسميا في أكتوبر الجاري، ويقع في 304 صفحة. يأتي الكتاب في ظرفية دقيقة من العلاقات المغربية الإسبانية، التي تعيش توازنا بين التعاون الاستراتيجي والتباينات الظرفية، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة تعيد رسم ملامح المتوسط.
الكتاب يتناول بأسلوب توثيقي تحليلي العلاقة المعقدة بين المغرب وإسبانيا، مركزا على القضايا المشتركة التي تشكل العمود الفقري للدبلوماسية بين الجانبين. ويتوقف عند ملفات الصحراء، والهجرة، والحدود، والطاقة، والمجال البحري، باعتبارها نقاط تماس حساسة تحدد مسار التفاهم أو التباعد بين البلدين. كما يقدم العمل قراءة شاملة للفضاء الجيوسياسي المغاربي، مسلطًا الضوء على موقع المغرب المحوري في معادلات الأمن الإقليمي والسياسة الأوروبية في الجنوب.
وتقود الكاتبة القارئ عبر فصول متعددة إلى التعرف على الدينامية الداخلية للمغرب، من خلال رصد تحولاته الاقتصادية الكبرى ومشاريعه المهيكلة في مجالات البنية التحتية، والنقل، والطاقة المتجددة. وترى “مورينو” أن المغرب استطاع أن يفرض حضوره الإقليمي بفضل استراتيجيته التنموية المستندة إلى رؤية طويلة المدى، وأنه لم يعد مجرد جار جغرافي بل فاعل مؤثر في التوازنات المتوسطية والإفريقية. هذه القراءة تجعل من الكتاب محاولة لفهم المغرب كقوة صاعدة تتعامل بثقة مع محيطها القريب والبعيد.
وفي مستوى آخر، يحلل الكتاب تمثلات المغرب داخل المشهد الإسباني، من خلال تفكيك صورة الجار الجنوبي كما تراها النخبة السياسية والإعلامية في مدريد. وتبرز المؤلفة أن العلاقة بين البلدين ظلت مزيجًا من الإعجاب والريبة، إعجاب بقدرة المغرب على التحول والإصلاح، وريبة من سرعة تحركه الإقليمي وتنوع تحالفاته الدولية. ومن خلال أمثلة ودراسات حالة، توضح “مورينو” كيف تحاول إسبانيا اليوم إعادة صياغة مقاربتها تجاه المغرب بما يضمن التوازن بين الشراكة والمنافسة في آن واحد.
ويمنح الكتاب مساحة واسعة لتحليل العلاقات المغربية الأوروبية في ضوء التحولات الراهنة، متوقفًا عند التعاون المتنامي بين الرباط وبلدان الجنوب الأوروبي، وأهمية هذا البعد في تشكيل خريطة النفوذ الجديدة في المتوسط. كما يناقش أدوار المغرب في ملفات إفريقيا والشرق الأوسط، مؤكدا على حضوره المتزايد في المنتديات الدولية بفضل دبلوماسية اقتصادية مرنة وقدرة متجددة على بناء التحالفات. وبهذا يصبح الكتاب مرجعًا لفهم تفاعل المغرب مع عالم متغير يفرض أشكالا جديدة من القوة الناعمة والتأثير الجيوسياسي.
وتجدر الإشارة إلر أن الكاتبة “سونيا مورينو”، تعد من الوجوه البارزة في الصحافة والتحليل السياسي بإسبانيا، راكمت تجربة طويلة في متابعة الشؤون المغاربية، وخصوصا العلاقات المغربية الإسبانية. عرف عنها اهتمامها بالقراءة الميدانية والاعتماد على مصادر مباشرة لفهم التحولات في المنطقة. ويأتي هذا الكتاب تتويجًا لمسار مهني وفكري تميز بالعمق والاتزان، حيث تزاوج “مورينو” بين الخبرة الصحفية والنظر التحليلي، ما جعل عملها يحظى باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الإسبانية.
وفي المحصلة، يشكل “المغرب، الجار المزعج” محاولة جادة لإعادة قراءة العلاقة بين بلدين يفصل بينهما مضيق قصير وتجمعهما قرون من التاريخ المتشابك. إنه كتاب يذهب إلى ما وراء الأحداث السياسية ليقرأ تفاعل الجغرافيا مع الذاكرة، والواقع مع التصورات، والمصالح مع القيم. ومن خلال هذا العمل، تفتح “سونيا مورينو” نافذة على فهم أعمق للمغرب كما تراه إسبانيا اليوم، جار يتحرك بثقة، ويعيد كتابة موقعه في معادلة المتوسط والعالم.































