بعيدا عن سؤال نجاح الإضراب العام الذي دعت إليه المركزيات النقابية وساندتها في ذلك أطياف المعارضة، لابد من تسجيل نقطة أساسية هي أن الإضراب مر في جو سلمي حضاري. لم يكن هناك أي انفلات أمني في ربوع المملكة، ولم يتم المساس بالممتلكات العامة أو الخاصة، بل عاش المغرب يوما عاديا، حيث أضرب من أضرب واشتغل من اشتغل ولم تحدث أية تجاوزات. هكذا هو الإحتجاج الحضاري بغض النظر عن حيثيات وتفاصيل الإضراب.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، ماذا بعد 29 أكتوبر؟
هل الإضراب العام غير مبرر كما تقول الحكومة؟ هل هو إضراب سياسي كما ينعثه المتعاطفون مع الحكومة ؟ هي أسئلة لا تنفصل عن الإطار العام للمرحلة. لكن لابد من الإشارة إلى أن كل إضراب عام هو إضراب سياسي بالضرورة، وهذا لا ينقص منه ولا من الدعوة إليه…
يعلم الجميع، بما فيهم الحكومة أن الأمور الإجتماعية والإقتصادية بالبلاد ليست على ما يرام. واقع الصحة متردي، يشبهه في هذه الصفة واقع التعليم وسوق الشغل وعالم الإستثمار وواقع العدالة… الفساد مستمر في جل الدواليب وفي الممارسات اليومية للناس. الإصلاحات السياسية لم تبلغ بعد مستوى السير العادي… القضية الوطنية لا تبرح نفقا إلا وتدخل نفقا آخر… انتظارات الناس أكبر بكثير مما يلمسونه من جهد في طريق بناء دولة الحق والديموقراطية. يزيد على كل هذا، التحديات المستحدثة في الأمن والإستقرار، وما يواجهه البلد من تهديدات إرهابية حقيقية تزداد خطورتها يوما عن يوم.
أمام هذه الصورة المفزعة نجد أن الممارسة الحكومية و السياسية في البلاد لا ترقى إلى مستوى التحديات.
قد يقول قائل إن الأحزاب بأدرعها النقابية تقوم بتسخينات ما قبل الإستحقاقات الإنتخابية… قد يكون ذلك صحيحا ومقبولا إلى حد ما. لكن مستقبل البلاد رهين بمستوى الجدية التي يتعامل بها السياسيون والمسؤولون والنخب.
قد يكون المرء أكثر تفاؤلا ويعتبر الأخطاء الحالية مرتبطة بالمرحلة الإنتقالية التي يمر منها البلد في ما يسمى ب« المسلسل الديموقراطي». لكن الواقع قد يدعو إلى تشاؤم مبرر يرى في ما يمارس اليوم قصورا واضحا في خدمة المشروع الديموقراطي الحداثي الذي يطمح المغرب إلى تحقيقه.
ما بعد الإضراب العام يستدعي تعاملا جديدا مع المرحلة. تعامل يقتضي تغيير موقع النظر والدخول الفعلي في مرحلة الإصلاح الحقيقي، وهو ما يستدعي بالدرجة الأولى تسريع التشريعات بما فيها تلك المرتبطة بتفعيل الدستور، ومباشرة الإصلاحات المجتمعية بصرامة وجدية تخدم مصلحة البلاد، بعيدا عن اللعب في رقعة ضيقة بشكل انتهازي.
حكيم بلمداحي.





























