هل شكك بنكيران في الرواية الرسمية لوفاة المرحوم عبد الله باها؟ هذا ما فاجأتنا به إحدى الجرائد، حيث أوردت خبرا يفيد بأن بنكيران يلمح إلى أن باها مات مقتولا وأنه لا يرغب في فضح المستور.
هذا خبر «قنبلة»، بكل بساطة لأنه يوحي بحدوث واقعة قد تختزل المرحلة المغربية بأكملها، وتنسف كل حديث عن العدالة الإنتقالية والعهد الجديد والديموقراطية التشاركية والتعددية، ودولة القانون، وكل المفاهيم المحيطة بالحقل السياسي والمؤسساتي بالمغرب.
الخطير في الأمر كله هو أن الخبر اعتمد تأويلا لكلام متقطع لأمين عام حزب «العدالة والتنمية» ورئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، في حين أن التسجيل الكامل لكلمة هذا الأخير في الدشيرة لا تحتمل هذا التأويل بالمطلق.
مرة أخرى نقف على سقطة الصحافة، وتهافت هذا المسار الذي يجر المهنة إليه أصحاب الحرفة ممن يسمون أنفسهم بالجيل الجديد.
نشر مثل هذه الأخبار، وترويجها على نطاق واسع من طرف «قبيلة» الصحافة، يفيد بمدى استسهال البعض في المغرب اليوم للأمور، وعدم الوعي بخطورة وتأثير مثل هذا الكلام. هو استسهال يضع القطاع برمته في موقع الإتهام والمساءلة، لأن ما يقترف ظلم في حق رسالة الصحافة الإخبارية والتنويرية والتربوية…
لو أن الأمر ارتبط بتعليق أو رأي لوجدت له الحرفة مخرجا. لكن أن يتعلق بإخبار فهذا يضع علامات استفهام كبرى ويطرح عدة تساؤلات. فهل هو قصد بنوايا محددة؟ وهذا ما نستبعده بحسن نية لأنه لو صح فسيكون مرتبطا بأجندة مدروسة.
هل هو عبث في قضايا لا تحتمل الإستسهال؟ أم هو توجه بقصد تعميم العبث الذي عام على البلاد في قطاعات عدة؟
غير أن الواضح أن هناك لعبة سخيفة تمارس على نطاق واسع، وقد تكون الصحافة ضحية لها. الإستسهال المستنتج من خلال واقعة خطاب الدشيرة بدأ يتخذ طابع التعميم مما يفيد بأن العبث أصبح عملة رائجة يكاد المجتمع يطبع معها. هناك أمثلة كثيرة في هذا الصدد. فما معنى أن لا يجد أمين عام حزب سياسي أدنى حرج وهو يتهم رئيس الحكومة بدعم الإرهاب؟ ورئيس الحكومة نفسه لا يخجل وهو يتهم قيادي بحزب آخر بأنه مافيوزي وآخر تاجر مخدرات، ويصل العبث إلى حد اتهام موجه لزعيم حزب بقتل الوزير باها؟
هؤلاء الذين يطلقون مثل هذا الكلام لا يفهمون ما يفعلون بالبلد بكل بساطة لأنهم يلعبون بالنار وهم يسفهون أنفسهم قبل أن يسفهوا كل شيء من حولهم. فرئيس الحكومة، الذي هو رئيس السلطة التنفيذية إذا كان يتوفر على معطيات بخصوص فساد شخص ما من المفروض فيه أن يحرك مسطرة المتابعة. والآخرون من المستسهلين للكلام، يتوفرون على آليات تقديم حججهم إذا ما كانوا صادقين في ما يذهبون إليه من اتهامات. غير ذلك من واجب المواطنين عليهم أن يكفوا عن «لعب الدراري» الذي هم سائرين فيه دونما حياء.
إن اللعب الرديء الذي يلعبه بعض سياسيي البلد وبعض صحافته غير مدروس العواقب، لأن إطلاق العنان لكذا كلام سيضرب ما تبقى من مصداقية السياسي والصحافي معا. ونخشى أن يأتي يوم يردد فيه الجميع مقولة بائع الجراء «هز كلب وحط كلب حتى لقاع الشواري«.
حكيم بلمداحي






























