تيفيور: بدايتي كانت من بن طيب مدينتي التي نشأت وترعرعت فيها، فمنذ طفولتي أحببت الموسيقى بشكل كبير، حيث كنت استمع للموسيقى كثيرا وأغني كلما أتيحت لي الفرصة للغناء في المدرسة أو البيت أو الشارع… ويمكن القول أنني محظوظة حيث التقيت بجمعية تهتم بالثقافة الأمازيغية، هذه الأخيرة احتضنت موهبتي وحفزتني على أن أغني أمام الجمهور لأول مرة سنة، 2003 وهذه الخطوة كانت بداية مشجعة للسير قدما في هذا المجال، ولا يمكنني أن أنسى الشاعرة المحترمة مايسا رشيدة التي لقبتني بتيفيور، هذا الاسم الفني الذي يعني بالأمازيغية “أجمل من القمر” كما ساهمت الجمعية بشكل كبير في وعيي بالقضية الأمازيغية، كل هذا ساعدني لكي أهتم بالموسيقى الملتزمة، وأشق طريقي ليسطع نجمي في سماء الأغنية الأمازيغية، حيث شاركت في العديد من الأنشطة التي تنظمها الجمعيات الأمازيغية وكذا أنشطة الحركة الثقافية الأمازيغية ببعض المواقع الجامعية، كما شاركت في المهرجان الدولي لأغنية الطفل بالرباط، وحصلت على الرتبة الثالثة وكنت محظوظة أكثر بالتقائي مع الفنان المقتدر البقالي عبد العزيز المعروف باسم “أمرذاس” الذي شكل محطة حاسمة في مساري الفني وذلك بتكوين فرقة تتوفر فيها الشروط والقدرة الإبداعية على التطور والتحسين من مستوى أدائها الموسيقي بشكل يضمن استمراريتها من أجل ولوج عالم الإحترافية.
أريف بريس: هل كانت هناك مشاكل معينة اعترضت مسيرتك الفنية، وبالخصوص نعرف أن الريف مجتمع محافظ؟
تيفيور: كما نعلم جميعا، فالريف مجتمع جد محافظ ويعيش تحت ظل مجموعة من الطابوهات، من بينها الفن والغناء بصفة خاصة، لذلك فمسيرتي الفنية هي عبارة عن صراع مع التقاليد التي تفرض على المرأة الريفية نمطا معين من العيش، لكن إيماني بأن الموسيقى والغناء لا ينقصان من شأن المرأة وقيمتها، بالإضافة إلى المساندة والدعم المعنوي الذي تلقيته من أسرتي الصغيرة وكذالك بعض مناضلي الحركة الأمازيغية الشرفاء الذين منحوني القوة والإصرار لأكمل طريقي دون استسلام. أنا جد مؤمنة بأن للمرأة الريفية لها قدرات هائلة، ليس فقط في المجال الفني، بل في جميع المجالات، لا ينقصها سوى المزيد من الدعم والتشجيع والصبر والتحدي للوصول إلى الهدف. إضافة إلى عائق المجتمع طبعا هناك معيقات أخرى أهمها الإمكانيات البسيطة التي لا تساعد الفنان على الإبداع والاستمرارية.
أريف بريس: عرف عليك في الميدان الفني اهتمامك بالأغنية الموجهة للطفل، هل تعتبر أن هذه التجربة أخذت حقها على مستوى النقد؟
تيفيور: أظن أن أغنية الطفل في الريف لم تأخذ نصيبها ليس فقط على مستوى النقد بل على جميع المستويات، فمثلا حتى على مستوى الإبداعات والتظاهرات الثقافية والتربوية والأوراش التي تستهدف الطفولة، زيادة على غياب الاهتمام الإعلامي السمعي البصري بأغنية الطفل وبانشغالاته بصفة عامة، لذلك في ظل هذا التهميش وعدم الاعتناء والاهتمام بالطفل، يمكن القول أن النقد الموجه لهذه التجربة جد قليل، بل يمكن القول بأنه محتشم حيث لا وجود لبرامج وقنوات وإصدارات أدبية تتناول الأعمال الفنية الموجهة للطفل.
أريف بريس: الجميع يقر بأن الأغنية الأمازيغية/الريفية تعرف نوعا من الانحصار على المستوى الإعلامي، إلى ما يرجع السبب في ذلك؟
تيفيور: أظن أن السبب في عدم حضور الأغنية الأمازيغية وبالخصوص الريفية في وسائل الإعلام راجع بالأساس إلى التهميش الذي تعرفه المنطقة منذ الاستقلال، إضافة إلى أن وسائل الإعلام لا تولي اهتماما كافيا للأغنية الأمازيغية وإعطائها المكانة الحقيقية التي تستحقها، كما يجب أن نستحضر مشاكل الإنتاج والتسويق وما إلى ذلك من المعيقات التي تساهم في غياب الأغنية الأمازيغية عن وسائل الإعلام البصرية بالخصوص، ناهيك عن وجود لوبيات تحاول أن تضيق على الأغنية الريفية بالخصوص و تسوق للانتاجات الغنائية الأخرى داخل المغرب و خارجه.
أريف بريس: ولكن هناك من برى أن الفنانين أو البعض على الأقل يساهم في ذلك، حيث لا يعتمدون قنوات جديدة للتواصل والتسويق الفني؟
تيفيور: المشكل ليس في اعتماد وسائل وقنوات جديدة للتسويق بل المشكل يكمن في الإمكانيات الضئيلة التي لا تساعد المبدع والفنان على البحث والتسويق، فحتى وإن كان الفنان يفكر ويضع منهجيات للعمل على تطوير إنتاجاته وتسويقها بشكل يساير التطورات التي يعرفها العالم في هذا المجال، فإن الإمكانيات المادية تظل عائقا يقيد الفنان ويجعله حبيس الإمكانيات البسيطة التي تمكنه من التواصل فقط مع فئة محددة من الجمهور، كما أن مستثمري المنطقة تغيب لديهم ثقافة الاستثمار في المجال الفني لإنتاج وتسويق منتوجاتنا.
أريف بريس: اليوم نعيش عصر الصورة بامتياز، غير أنه في المقابل نلاحظ غياب أغاني ريفية بصيغة ‘فيديو كليب’ إلى ما يرجع هذا الغياب؟
تيفيور: كما سبق وأن ذكرت المشكل راجع بالأساس إلى الإمكانيات المادية غير المتاحة والعقليات الاستثمارية، مع الأسف مازال بعض الجهات المسؤولة والمستثمرين يجهلون دور الفن وتأثيره العميق في بناء قيم الإنسانية داخل المجتمع، ذلك يظهر في غياب الدعم المعنوي والإقصاء… وما بالك أن يهتموا بتمويل مشاريع فنية كتصوير فيديو كليب محترف، والذي يحتاج إلى إمكانات هائلة.
أريف بريس: هناك من الفنانين من يرى أن منظمي المهرجانات والملتقيات الفنية غالبا ما يعمدون إلى استدعاء الفنانين الأجانب على حساب احتقار الفنان المحلي؟
تيفيور: شيء في منتهى الروعة أن يكون هناك تبادل ثقافي بين المغرب وباقي دول العالم، وذلك باستدعاء فنانين عالميين إلى المهرجانات، لكن ليس على حساب الفنان المحلي، هذا هو المشكل الذي يعاني منه الفنان المغربي بصفة عامة، الذي يجد نفسه إما غائبا عن التظاهرات الفنية والمهرجانات الكبرى، أو يشارك من أجل المشاركة بمبلغ محتشم مقارنة بالمبالغ الخيالية التي يدفعها منظمو المهرجانات للفنانين الأجانب. فنعم وأهلا بالمهرجانات الدولية، لكن لا لإحتقار وتهميش الفنان المحلي. ويجب تغيير الثقافة والعقلية الإحتقارية للذات الوطنية فعلينا أن لا نطبق المثل الأمازيغي الذي يقول” امذياز ن دشار اويسفروج ” مطرب الحي لا يطرب.
أريف بريس: عرفت الساحة الفنية بروز العديد من نجوم الأغنية، غير أنه سرعان ما تهاوت هذه النجومية، فإلى ما يرجع السبب في نظرك؟
تيفيور: فعلا كلما كانت طريقة الوصول إلى النجومية سريعة كان السقوط منها أسرع، وهناك أسباب كثيرة، أهمها التكاسل وعدم تطوير الأداء واستغلال الفرص المتاحة، وعدم البحث كذلك عن التسويق الجيد والذكي لنجومية الفنان وفرصته، لذلك من المهم جدا أن يكون أي فنان أو نجم ذو تفكير استراتجي معناه أن المسار الفني يجب أن يكون بخطى ثابتة واحترافية.
أريف بريس: هناك من يرى على مستوى الكلمات، أن الأغنية الريفية الجادة ظلت حبيسة مواضيع لم تعرف الكثير من التنوع؟
تيفيور: كانت كذلك في وقت من الأوقات حسب الظروف التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي مر بها الريف، أما الآن ففي نظري الأغنية الريفية في السنوات الأخيرة لوحظ عليها تغيير ملموس في المواضيع حيث تعرف تنوعا كبيرا تشمل شتى المجالات.
أريف بريس: بالنسبة للفنانة تيفيور كيف تختار كلمات أغانيها؟
تيفيور: إن اختيار القصائد من أجل الاشتغال عليها موسيقيا وتلحينها في فرقة تيفيور حسب ما يؤكده الملحن وعازف القيثارة بالفرقة، البقالي عبد العزيز يعتمد على مبادئ وشروط عامة يمكن تجميعها كالاتي: تنويع واختلاف المواضيع، جودة الأفكار المطروحة، تجديد في المتن الشعري، سلاسة اللغة و بساطتها، والانفتاح على المواضيع التي تعالج القيم الإنسانية، فمبدأنا أن الفن يكون أكثر سموا ورقيا عندما يكون هادفا. ورغم تعاملنا مع مجموعة من شعراء الريف، كحفيظ البوجدايني، نجيم الزهري، سعيد ابرنوص، سعيد الزيزاوي, رشيد غرناطي … والتي تتناول مواضيع مختلفة وكونية في أعمالها. لكن لا ننسى أن نشتغل على التراث الريفي الذي يشكل الذاكرة الجماعية التي لا مفر من العمل على الحفاظ عليها، الذاكرة التي تختزل هوية الإنسان الريفي وتطوره التاريخي في القصيدة التقليدية “ازران”، فبالتالي يظهر من خلال تتبع مسار فرقة تيفيور أن الهدف الرئيسي الذي تكونت من أجله هو التجدر داخل التربة الريفية مع التأكيد على الرسالة العالمية لأي منتوج فني موسيقي تطرحه… فكان الاشتغال مسكونا بالتفاعل والتوفيق بين الثنائيات: التجذر/الانفتاح، المحلية/العالمية، الأصالة/الحداثة، الذات/الأخر… هكذا يتم انتقاء الكلمات في الفرقة بعناية فائقة، فنحن واعون تمام الوعي بضرورة إعطاء أعمالنا نوعا من الخصوصية والنوعية التي تميزنا عن باقي التجارب الغنائية في الريف أو المغرب، من خلال إصداراتنا لألبومي مولاي موحند وتافويت .
أريف بريس: ما هو جديد الفنانة تيفيور، هل هناك أعمال فنية في المستقبل القريب؟
تيفيور: أكيد، نحن بصدد الاشتغال على شريط جديد سيضم أغاني متنوعة، دائما التركيز على تراثنا الغني، وفي محاولة لدمج بين التراث والحداثة، طبعا ستكون تيفيور حاضرة في العديد من الملتقيات الفنية الدولية منها والوطنية.
أريف بريس: ماذا تعني لك الشهرة
تيفيور: الشهرة تعني لي التميز، لكن في نفس الوقت هي تكليف ومسؤولية ضخمة تكمن في ضرورة العمل بجد أكثر من أجل المحافظة على تلك المكانة والثقة التي يمنحها الجمهور للفنان.
أريف بريس: كلمة أخيرة للجمهور وقراء “أريف بريس”
تيفيور: في كلمتي الأخيرة أشكر جريدة “أريف بريس” على منحي هذه الفرصة للحديث عن مساري الفني وتواصلي مع جمهور ومحبي مجموعة تيفيور، فالفنان يتعطش ويحتاج دائما للإعلام الذي يعد لبنة أساسية في مساره، وأعد متتبعي ومحبي تيفيور بأعمال احترافية وبالمزيد من العطاء و أشكر كل من يساعد مجموعة تيفيور من قريب أو من بعيد .






























