الحمامة “غير الوديعةّ” تقلد هذه الأيام مشية الجرار قبل الانتخابات التشريعية لـ2016، وتتبنى نفس الخطة ونفس الخطاب ونفس الوسائل ونفس السرعة “القاتلة”.. “البيجيدي”، الذي تقترب حصيلته من الصفر اللامع، ينتظر الفرصة للاستثمار، كما يفعل كل مرة، في سوق “الضحية”.. سيقوم أخنوش، كما قام لشكر وشباط والعماري، بحملة مثالية جدا لفائدة حزب جرَّب تدبير الشأن العام لسبع سنوات دون أن يكون قادرا لا على تحقيق الإصلاح ولا على محاربة الاستبداد..
أخنوش ليس رجل سياسة، لذلك لا يفكر في أن سـُنة السياسة هي التبدل، بل إنه دخل إلى حلبة الصراع السياسي لمواجهة الإسلاميين بنفس الأسلوب القديم ونفس اللاعبين ونفس الخطة ونفس الحكام، والعجيب أنه ينتظر نتائج مختلفة!! كان عليه، على الأقل، أن يستوعب الدرس من أصدقائه القدامى في “البام”، الذين كانوا قد أيقنوا، بعدما اكتسحوا الانتخابات الجماعية وتوافد عليهم الأعيان ولفيف اليسار القديم من كل فج عميق، بأن الطريق صارت مفروشة نحو رئاسة الحكومة قبل أن تتبدد الأحلام أثناء “الربيع الديمقراطي”…
كان تشرشل يقول إن التخطيط في السياسة جيد، لكنه ليس كل شيء؛ السياسي الحقيقي يمتلك حاسة الاستباق؛ وهؤلاء الذين خططوا كي “يقطع البام الواد وينشفو رجليه”، وجدوا أنفسهم يُخضِعون الحزب لحمية قاسية في الانتخابات التشريعية التي تلت دستور 2011. وها هو الأحرار يكرر ذات الأخطاء بكثير من السذاجة، فهو يريد احتلال المرتبة الأولى في استحقاقات 2021، لكنه يسقط بالضربة القاضية في أول امتحانٍ بعيدٍ جدا عن شؤون الحزب لكنه مرتبط بالمقاطعة الشعبية المضروبة على شركة أمينه العام…
دبر الحزب الإسلامي الشأن الحكومي وفشل في حل المشاكل الاجتماعية واتخذ قرارات لاشعبية، مثل تحرير المحروقات ورفع سن التقاعد..، وواجه بمنطق “العصا الغليظة” الاحتجاجات الاجتماعية، خلق أعداءً في كل المواقع، فالنقابات دعت إلى التصويت ضده، والطلبة الأطباء والأساتذة المتدربون خاضوا معه حرب استنزاف طويلة، بينما تضررت الطبقة الوسطى كثيرا من قرارات أول حكومة يقودها الإسلاميون القابلون بقواعد اللعبة، وفوق ذلك انخرط في تجربة تسيير المدن الكبيرة التي فاز فيها خلال الانتخابات الجماعية والجهوية التي جرت سنة 2015.
راهن البعض على أن احتكاك العدالة والتنمية بالمواطنين في الحواري الفقيرة وتدبير المشاكل اليومية سيرهق الحزب وسيفقده جاذبيته، تماما كما حدث لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؛ لكن الرهان تبدد بظهور نتائج الانتخابات التشريعية التي أثبتت أن الحزب لم يتأثر، بأي شكل من الأشكال، جراء تسييره للمدن الكبيرة مثل الرباط والدار البيضاء وفاس وطنجة…
ما الذي حدث حتى يظفر حزب العدالة والتنمية بالمرتبة الأولى رغم كل الضربات التي تلقاها خلال الخمس سنوات المنقضية، ورغم قيادته للتجربة الحكومية في ظرفية اقتصادية حساسة؟
السبب، ببساطة، أن العماري وشباط ولشكر قاموا بحملة مثالية لفائدة “البيجيدي”، ومنحوه أصواتا لم يكن عبد الإله بنكيران ليحلم بها. وإذا كانت الظروف تغيرت قليلا لأن وزراء العدالة والتنمية تورطوا بشكل “كاريكاتوري” في حملة المقاطعة الشعبية، فإن أخنوش وكتيبته الرباعية عازمون على “تنظيم” مسيرة “ولد زروال” أخرى بنسخة منقحة ومزيدة…
الرهان في الانتخابات الماضية لم يكن على تقليص الكتلة الناخبة من أعضاء “البيجيدي”، بل على اجتذاب المتعاطفين معه، بيد أن العكس هو الذي حصل؛ فبعد مسيرة الدار البيضاء، التي كانت سوريالية ومضحكة وأقرب ما تكون إلى الصورة العبثية منها إلى مسيرة ضد الإسلام المتطرف، تبلور يقين لدى فئات واسعة من الناخبين، منهم مثقفون ومناهضون للمرجعية الإسلامية، بأن هناك أطرافا ما، في جهة ما، تريد أن تنال من حزب العدالة والتنمية، وعوض أن يتأسس التصويت العقابي ضد الحزب القائد للحكومة، تأسس تصويت عقابي للجهة المقابلة.. عقابٌ على مسيرة أثرت إلى حد كبير جدا في مسار الانتخابات التشريعية.
أخنوش يعتقد، كما اعتقد البام، أنه سيصل في 2021 إلى المرتبة الأولى.. إنه يفكر في السياسة مثلما يفكر في محطات إفريقيا.. لكنه ينسى أنه إذا كان مجال الأعمال هو الربح فإن مجال السياسة هو التدافع…
محمد أحداد: صحافي بجريدة المساء






























